photo_٢٠٢٥-٠٥-١٩_١٧-٠٦-١٠.jpg

    ارادة الانسان فوق كل قوة

    17 يوليو 2026

    ارادة الانسان فوق كل قوة

    انني وحسب معرفتي ومعلوماتي لم اعثر على قوة ما يمكن ان تسيطر على ذات الانسان الارادية وتفرض وجودها عليها ، وبمعنى آخر ليست هناك قوة تجبر الانسان على تغيير سلوكه وتصرفاته من خارج ذاته ، بل ان هذا التغيير لا يحصل الا من ذات الانسان، فالقوى الخارجية انما توثر في الانسان بصورة غير مباشرة ، فهي تقصد التأثير على الذات اولاً وعندها تقرر الذات هذا التغيير، فيخرج الى الفعل بقوتها ؛ أي قوة الذات العقلية عند الانسان.

    لقد خلق الانسان حين خُلق من مزيج الطين والنور، من قبضة التراب التي تغلغلت بين ذراته نفحة الروح فكان خلقاً من جنة في جانب منه ، ومن نار في جانب آخر، ويبقى مصيره حنيئذ رهن اختياره وسلوكه ، فاما ان يحول ذاته الى السلب والنار بأن يدس نفسه و يوغل ذاته في تراب الشهوات ، واوحال الاهواء الضالة ، فيضيع في ركام التيه والخرافة فتصبح ذاته نارية بكل ما في الكلمة من معنى، فتحشر مع اهل جهنم واصحاب السعير.

    اما عندما تسلك الذات الطريق الموجب ؛ طريق الارتفاع والعلو والتركية والسمو نحو الكمال المطلق فانها ستغدو حنيئذ نوراً باذن الله ، فتنطلق مع اصحاب النور الى المستقر الخالد والنعيم الابدي في جنات عدن تجري من تحتها الانهار.

    طريقان لا ثالث لهما :

    فلتنظر الذات الانسانية ولتبصر، فالطريق طريقان لا ثالث لهما ؛ فاما الى الاعلى مع العلي الاعلى، واما الى الاسفل مع الشيطان الأدنى، ولينظر الانسان حنيئذ في حياته وكدحه وفي الطريق التي يسلكها : «يا أيها الانسان انك كادح الى ربك كدحاً فملاقيه».

    ان كل ما في القرآن وآثار العترة الطاهرة، بل ان جميع الرسالات التي حملها رسل الله وانبياؤه واوصياؤه انما تدور حول هذا المحور، فهي كلها تؤكد وتشير اشارات واضحة أن يا ايها الانسان كن على يقظة وحذر، اصح من غفلتك، ابتعد عن مسالك الشيطان الكامنة في النفس الامارة، ان جميع الرسالات السماوية تصرخ بالانسان أن عد الى ذاتك ، فانك وحدك القادر على ان تصنع تلك النفس وتخرجها من حالة الامر بالسوء الى الامر بالخير والكمال ، فالحركة انما تنطلق بالارادة الكامنة في الذات الانسانية.

    وهذه الحقيقة هي التي تؤكدها المدرسة الحسينية، وتبثها من عمق الزمان منذ يوم مصرعه الدامي (ع) وحتى قيام الدولة الفاضلة المثلى على يد حفيده المهدي الموعود (ع).

    الامام الحسين (ع) وامتحان الاختيار: والحسين (ع) بطبيعة تكوينه كأي مخلوق انساني فطر في خلقه الاختيار كأي انسان، وقد امتحن (ع) بالتخيير في اوج حياته الرسالية، وياله من تخييرا ، انه التخيير بين امرين، حتى انه (ع) اكد بنفسه هذه الحقيقة واشار اليها بقوله : «الا فإن الدعي ابن الدعي قدركز بين اثنتين ؛ بين السلة والذلة، وهيهات منا الذلة، يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون وحجور طابت ...... وطهرت فالحسين (ع) قد تم تخييره هنا وكان بامكانه ان يختار ويسلك المسلك الذي يرتئيه ، وهذا الواقع لا يمكن ان يفرّ منه انسان، فكل واحد لابد ان يمر بامتحان الاختيار هذا في حياته، ويعرض لابتلاءاته وفتنه بدءً من الرسل والانبياء (ع) وانتهاء بمن هم دونهم ودون دونهم، فجميعهم مروا بامتحان التخيير، وعانوا فتنه ومصائبه، فكان عليهم في ذلك الخضم ان يختاروا ، و يقرروا الاتجاه والمسلك.

    وقد اجتاز الحسين (ع) هذا لامتحان با على درجات التفوق عندما ابتلي بالاختيار، فأطلق ذلك الهتاف الخالد الذي دوى في عمق التاريخ أن هيهات منا الذلة» ؛ فهذه هي خيرة أبي عبد الله الحسين (ع)، وهذا هو قراره التأريخي الذي بينه لكل من اراد ان يعيش في الحياة حراً، ونحن الذين ندعي حب الحسين ومولاته لا بد لنا من الاقتداء به ليكون هذا الاقتداء مصداقاً للحب والمولاة هذين.

    والاقتداء هو قرار ذلك الامتحان امتحان الخيرة الذي لا مفر من التعرض له ، فأنا ارى ان من المستحيل ان يولد الانسان في هذه الدنيا وينمو و ينضج من دون أن يتعرض لفتن تقرر وترسم مصيره ، فكل انسان من ذكر وانثى لابد ان يمر بمواقف وساعات الاختيار.

    كيف نختار، وما هي عوامل الاختيار؟ وهنا يبرز سؤال مهم في هذا الصدد وهو: كيف لنا ان نختار ؟ وما هي العوامل التي تكون في عوننا ساعة الاختيار، ولحظات اتخاذ القرار التي هي لحظات خطيرة ومصيرية وتمتاز بكونها محدودة وخاطفة ؟ من هذه العوامل عاملا التربية والوراثة اللذان تؤكدهما تلك الصرخة الثورية التي اطلقها ابو عبد الله الحسين (ع) في وجه الاغتصاب والانحراف والاستبداد الأموي ، وهناك عوامل أخرى يمكن للانسان الامساك بزمامها والتحكم بها منها عامل الثقافة، وعامل تأريخ الانسان وماضيه.

    فالانسان المنقاد الى ربه بمواظبته على اداء الفرائض العبادية، والمنشغل ليله ونهاره بذكر الله العظيم، هذا الانسان متوجه بدمه ولحمه وروحه ونفسه وعقله الى الله - سبحانه، لاهج لسانه بترديد الدعاء الشريف ربي لا تكلني الى نفسي طرفة عين ابداً»، ولذلك فان يد الرحمة الغيبية ستكون في عونه لانقاذه في لحظة الاختيار، فتثبت قدمه، وتطمئن قلبه، لا تدعه يتزلزل وينهار، ولا تهجره ليصبح عرضة لفتن وابتلاءات الزمان. ولا عجب من ان تمتد يد الرحمة الالهية لعون هذا العبد، ذلك لأنه قد ذكر ربه في السراء من العيش فأجابه ربه وذكره حين الضراء والشدة : فأذكروني اذكركم واشكروا لي ولا تكفرون» .

    وعندما نقرأ تأريخ الحسين قراءة واعية وموضوعية نجد أنه (ع) ولد في كربلاء ساعة نيله تلك المنزلة الرفيعة التي لم ينلها احد من قبل، وهي منزلة ربانية اختارها الله - تعالى له ليخلد مثالاً وضاء في قلب التأريخ لا ينقطع شعاعه ، ولا يخمد وهجه رغم كل محاولات الأمويين على امتداد هذا التاريخ.

    الامام الحسين (ع) مجمع الكرامات والفضائل :

    ترى لم هذا الاختيار الالهي ؟ ربما كان هناك من سبق الحسين (ع) من الانبياء في الشهادة، وتلت قافلته مئات القوافل من المؤمنين الشهداء على طريقه ، لكن شهادة الحسين (ع) تتجلى بنور خاص بها ، أنها وسام رباني قل من نال شرفه . ولعل اقدس المكرمات التي أعطيها الحسين (ع) ان جعل الله - سبحانه - منه استمرار ذرية الهداية والعصمة الطاهرة، ومنه (ع) ايضاً ينحدر أصل الامام الحجة القائم المهدي (عجل الله فرجه الشريف) الذي يملأ الله به الارض قسطاً وعدلاً بعد ما ملئت ظلماً وجوراً ، فهذه هي اعلى المكرمات بعد الشهادة. ثم ان من تلك الكرامات ايضاً أن جعل - سبحانه - في تربته الشفاء من الآلام والاسقام ؛ ولعلنا كلنا قد لمسنا وجربنا هذه الحقيقة، فالكثير منا يروي خلاصه من اخطار جمة لأنه كان يحمل معه حبات من تلك التربة الطاهرة التي امتزجت بقطرات دم سيد الشهداء ودم اصحابه الاوفياء.

    وأنا هنا لا أريد ان ازج نفسي والقارىء في مخاض غيبي، ذلك لأن للغيب مقدماته واصوله وحديثه المسهب ، ثم ان كل امرىء ليس قادراً على استيعاب وتحمل معاني الغيب وآفاقه الواسعة الا ذلك الذي رزق الحكمة ، وأوتي البصيرة والتدبر والوعي، ولكني اريد البحث هنا في المعاني البسيطة الظاهرة للاذهان والمستلهمة من الظاهرة التأريخية.

    📚 إن الحسين مصباح هدى وسفينة نجاة.

    سماحة آية الله العظمى المرجع المجدد السيد محمد تقي المدرسي دام ظله