الاستقامة صعبة الا على المؤمنين : ان الاستقامة صعبة على اولئك الذين لم يتصلوا بروح الله ونوره، اما المؤمنون فانهم يضحكون ويستبشرون بما اتاهم ، فالضغط بجميع اشكاله والوانه لا يعني شيئاً بالنسبة اليهم، حتى ترى احدهم يمثل امام الحجاج بن يوسف الثقفي الذي يقول له : كيف اقتلك ؟ فيجيبه : يا هذا اختر انت كيف تريدني ان اقتلك يوم القيامة ! فقد تجاوز هذا المؤمن كل عقبات الخوف والارهاب، لأنه يعلم ان الحجاج لا يملك شيئاً، وان هذا الظالم انما يقضي في هذه الحياة الدنيا، كما اعلن ذلك السحرة التائبون لفرعون الطاغية بقولهم : « فاقض ما أنت قاض انما تقضي هذه الحياة الدنيا » . وهذه هي حقيقة الاتصال بالله تعالى، ولذلك ترى اصحاب الامام الحسين (ع) لم يشعروا في كربلاء بحر الحديد رغم ان اجسامهم لم تتبدل الى اجسام اخرى لا تحس بتعذيب الظالمين ولكن شوقهم الى الجنة، واتصال ارواحهم بنور الله - تعالى جعلهم لا يتأثرون بثقل الحديد، ولا بالقتل الشنيع الى درجة ان احدهم كان في أتون المعركة، وفي حر الصحراء الشديد، والاعداء محيطون به يرشقونه بنبال كوابل المطر، وجراحاته تنزف دماً، ورغم ذلك كان ينظر الى السماء، ويخاطب مولاه ابا عبد الله قائلا : لقد حان وقت الصلاة ؟ وكله شوق لاداء الصلاة مع سيده الحسين (ع) . ترى ما هذه الروح ؟ انه لا ينسى الصلاة في أحلك لحظات حياته، بل ولا ينسى مستحباتها ؛ فهو يريد ان يصلي الصلاة جماعة، فيقول له الامام الحسين (ع) : أحسنت، ذكرت الصلاة، وجعلك الله من المصلين. ان هؤلاء هم الصفوة الذين اتصلت ارواحهم بنور الله، فمنحهم - تعالى - الاستقامة، وعلى الحركات الاسلامية التي تريد اليوم تحرير بلادها وشعوبها من رجس الطغاة، والأنظمة الفاسدة عليها ان تحرر الانسان اولاً من الجبت والانحرافات العقائدية والغفلة والنسيان وحب الدنيا .
مسؤولية الحركات الرسالية اكبر :
ان الحركات الرسالية تتحمل صعوبات ومسؤوليات اكبر لان اهدافها اكبر ولأنها لا تريد تحرير الارض فقط بالرغم من ان تحريرها يمثل هدفاً كبيراً ولكنه ليس الهدف الاساسي، بل الهدف هو تحرير الانسان، وهو لا يتحقق الا بعد ازالة الطغاة وتحرير النفس قبل ذلك من ضغظ الشهوات، واغلال النفس وقيود الجيت . ان الجهاد في سبيل الله - تعالى والصراع مع الاعداء ينعكسان على النفس البشرية، فالانسان الذي يجاهد في سبيل الله مخلصاً يكون الجهاد بالنسبة اليه معراجاً يعرج بروحه الى الخالق - تعالى : «والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا » . والذين يجاهدون في سبيل الله يعرفون الطرق المؤدية اليه - تعالى، وهذا هو هدف الانبياء، وفي كربلاء نجد نماذج من هذه الاستقامة، ومن هذا النوع من الجهاد، وقد اشار الى ذلك الامام الحسين (ع) في دعائه يوم عرفة قائلاً : «فان لم تكن غضبت علي فلا أبالي سبحانك غير ان عافيتك أوسع لي »، فالعافية احسن من المرض، والسلم افضل من الحرب والامن افضل من الخوف، ولكن هذا ليس هو الهدف الرئيسي، بل ان الهدف الاساس هو الرضا . وهذا الهدف يجب ان نضعه نصب اعيننا دائماً، فالذي يقرأ دعاء عرفة ويتدبر فيه، ويقرأ خطاب الامام (ع) في مكة المكرمة، والمدينة، ورسائله الى العلماء، ربما يكتشف جانباً بسيطاً من شخصيته الايمانية، ويعرف لماذا كان (ع) يقدم اعز اصحابه وانصاره وهو يحبهم، ويشفق عليهم، بل انه قدم حتى طفله الرضيع، ومع ذلك فقد حمل على الاعداء حملة وصفها (حميد بن مسلم) قائلا : «فوالله ما رأيت مكسوراً قط قتل اصحابه وابناءه واهل بيته أربط جاشاً منه ». وهكذا فقد الحسين (ع) كل شيء في الحياة، ولكنه لم يفقد الله - تعالى. فدخل (ع) المعركة، وكان كلما قتل احداً قال «الله اكبر» رافعاً صوته بالتكبير، لكي تعرف نساؤه واهل بيته انه ما يزال حياً ، لأنه كان أمل الارامل واليتامى الذين لم يكونوا يملكون آنئذ سنداً غير الامام الحسين (ع)، فكل من كان يستشهد في الميدان كانت زوجته الارملة، واولاده اليتامى يقولون : لا بأس بذلك مادام الامام الحسين على قيد الحياة، فهو العماد الذي تأوي اليه، ولذلك كان (ع) يرفع لهم صوته بالتكبير وهو يخوض تلك اللجج من جيوش الاعداء التي بلغ عددها ثلاثين الف مقاتل . وهنا لا نريد ان نبحث كل الجوانب المأساوية في قضية الامام الحسين (ع)، وكيف ضُرب بالحجارة، ورمي بالسهام، وطعن بالسيوف، إلى غير ذلك من الاعمال غير الانسانية، والجرائم، ولكننا نريد ان نبين كيف كشف القوم حتى دخل المشرعة، وفي هذا المجال يقول الرواة ان الحسين (ع) كان يعاني من العطش، فاغترف مقداراً من الماء ليشرب فقال له رجل : يا ابا عبد الله أتشرب الماء والخيل احاطت بحرمك ؟ فرمى الماء، وعاد ليتأكد من سلامة حرمه، فكشف الاعداء عنهم، ثم عاد الى المعركة، فعادوا مرة اخرى وهكذا كانوا يعودون الى حرمه كلما انهزموا امامه ليهددوه باسرهم، وعندما رضخوه بالحجارة، فاصابت حجارة جبهته الكريمة، واصيب اصابات بالغة. وفي اللحظات الأخيرة من حياته (ع)
تعرض جسده لما لا يقل عن مائة ضربة من مختلف الاسلحة، حتى غطي جسده الشريف بالسهام، ولكنه مع كل ذلك كان يقول في تلك اللحظات : « هون علي ما نزل بي انه بعين الله » . وعندما كان (ع) يصدح بهتاف التكبير فإن قلبه كان يتجدد استقامة وصبراً وصموداً، وعندما هوى الى الارض لم يجد كلمة يعبر بها عن واقعه الا تلك الكلمة التي تكشف عن طبيعته وشخصيته، وتصبغ حركته كلها بصبغة الايمان وهي : « رضاً برضاك، لا معبود سواك » .وبعد، فهذه هي الكلمة الوحيدة التي قالها الحسين (ع) في تلك اللحظات يقول المؤرخون في هذا المجال : عندما وقع الامام (ع) و به تلك الجراحات الكثيرة، وحوله الاعداء، جمع حفنة من التراب جعلها كالوسادة، ثم وضع رأسه الشريف عليها، وأخذ يناجي ربه وكأنه في طرف والدنيا كلها في طرف آخر، لا يهمه الا كسب رضا الله - سبحانه وتعالى ليؤكد إلوهية مسيرته، وكونها تنتهي الى الخالق .
📚 إن الحسين مصباح هدى وسفينة نجاة.
سماحة آية الله العظمى المرجع المجدد السيد محمد تقي المدرسي دام ظله

الاستقامة صعبة الا على المؤمنين
28 يونيو 2026