الامام الحسين (ع) وارث الانبياء
الحديث عن الامام الحسين (ع) يمتد مع الزمان الى كل عصر، ومع المكان الى كل موقع، لأنه الحديث عن الانسان بماله من تحد وارادة، وبما فيه من ضعف وعجز، فهو بارادته وايمانه و يقينه قادر على ان يتحدى كل ضعف وعجز في وجوده ، وذلك فان الحديث عن عاشوراء حديث ذو شجون ، وذو ابعاد مختلفة سنحاول ان تتناول منها ما يكون انفع لنا المعالجة مشاكلنا وامراضنا .
نهضة الحسين (ع) امتداد لنهضة الرسل :
ان نهضة الامام الحسين (ع) كانت في حقيقتها امتداداً لنهضة الرسل، وكانت تجلياً لروح الرسالة الاسلامية في أبهى مظاهرها ، ومن اجل ايضاح هذه الفكرة لابد ان تمهد لها بثلاث مقدمات اساسية وهي :
١- شمولّية رسالة الانبياء (ع)
ان الذي يقرأ القرآن الكريم بتدبر يفهم ان رسالة الانبياء (ع) لم تكن موجهة دائماً ضد الكفار والمشركين بالمعنى الضيق ؛ أي انها لم تكن موجهة ضد أولئك الذين يكفرون اساساً برسالات الله ، او يجحدون وجود الله - تعالى بشكل علني وواضح بل انها بالاضافة الى ذلك كانت موجهة ايضاً الى اولئك الذين حرفوا رسالات السماء ونافقوا وفسقوا.
ان المجتمعات التي أرسل اليها الانبياء (ع) لم تكن كلها من النوع الذي ينكر وجود الخالق - تعالى من الاساس، بل ان الكثير منها كانوا من الذين بدلوا حقائق الحياة، وحرفوا رسالات السماء وارتكبوا الفسق والجريمة، وقد استخدمت كلمة الشرك والكفر في القرآن الكريم مرة في النوع الاول ومرة من النوع الثاني فكلاهما شرك وكفر عند الله حسب البصيرة القرآنية.
فلا فرق بين ان تدعي انك تؤمن بالله ثم تكفر به عملياً، وبين ان تدعي ذلك رأساً، ولا فرق بين ان تعتقد بانك تؤمن بالله ثم تشرك به من خلال خضوعك وسجودك لصنم، وبين ان تشرك به - تعالى عن طريق خضوعك لطاغوت ، فذاك صنم وهذا صنم ، احدهما صنم حجري ، والآخر صنم بشري ، ولا فرق بينهما، ولذلك فقد التبست الأمور على طائفة من الناس فزعموا ان كلمة الشرك والكفر انما هي مخصوصة باولئك الذين يعلنون الشرك، ويجحدون بالله علناً .
فلسفة انبعاث الانبياء (ع) ولنعد الى القرآن لنتدبر في آياته ونرى الى من أرسل الانبياء (ع) ولماذا كان انبعاثهم، وما هو هدفهم من ثورتهم، ومن حركتهم التصحيحية في مسيرة الكون، في هذا المجال يقول القرآن الكريم : «كذبت قوم نوح المرسلين اذ قال لهم اخوهم نوح ألا تتقون .أني لكم رسول امين فاتقوا الله واطيعون . وما أسألكم عليه من اجر ان اجري الا على رب العالمين ، فاتقوا الله واطيعون » .
ففي هذه الآيات ترى بوضوح ان النبي نوح (ع) الذي كان شيخ المرسلين كان يأمر قومه بالتقوى والطاعة، مما يدل على ان مشكلتهم كانت الفسق، ومعصية الرسول ، فلننظر ماذا أجابه قومه ؟ انؤمن لك واتبعك الا الارذلون ، فهذا الجواب يدل بعمق على نوعية المشكلة، فما هي مشكلة مجتمع النبي نوح (ع) ؟ لقد كانت آنذاك الطبقية، وقد بعث نوح (ع) لازالة هذه المشكلة من مجتمعه.
وتتطرق هنا الى طائفة أخرى من الاقوام البشرية وهم قوم عاد الذين يقول عنهم القرآن الكريم :«كذبت عاد المرسلين .اذ قال لهم اخوهم هود ألا تتفون . اني لكم رسول امين . فاتقوا الله واطيعون . وما أسألكم عليه من اجر ان اجري الا على رب العالمين . أتبنون بكل ريع آية تعبثون . وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون . واذا بطشتم بطشتم جبارين . فاتقوا الله واطيعون . واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون . امدكم بانعام وبنين . وجنات وعيون . اني اخاف عليكم عذاب يوم عظيم . قالوا سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين . ان هذا الا خلق الاولين . وما نحن بمعذبين . فكذبوه فاهلكناهم ان في ذلك لآية وما كان اكثرهم مؤمنين» .
في هذا الموضع نتساءل : ماذا كانت دعوة النبي هود لقوم عاد، والى ماذا دعاهم ؟ لقد دعاهم الى التقوى والطاعة، وترك السلبيات، سلبية الغرور والبطش والاعتماد على الاسباب المادية ، فماذا كان ردهم على نبيهم ؟ لقد قالوا له : نحن لا نؤمن بالرجعية ، والأفكار المتخلفة التي يدعو اليها نبي الله هود.
وعلى هذا فإن المشكلة بين هود وقومه لم تكن في اصل الايمان، وانما فيما يترتب على الايمان من السلوك الحسن، والتواضع، والتسليم لأمر الله تعالى، والتقوى والطاعة ...
ان كل ذلك يدل على فكرة واحدة وهي ان الانبياء (ع) لم يكونوا مرسلين الى اقوام يجحدون وجود الله - تعالى - جحوداً تاماً الا في بعض الفترات ، اما في الاغلب فقد كانت رسالتهم موجهة الى اولئك الذين كفروا بالله عملياً وسلوكياً. فالمشكلة - اذن كانت مشكلة ملوكية قبل أن تكون مشكلة عقائدية ، فالانبياء بعثوا في الاغلب الى اولئك الذين انكروا الرسالات بأعمالهم ففسروها تفسيراً خاطئاً، وفسقوا ولم يأتمروا بأوامرها ، ولم يلتزموا بالتزاماتها ، أو أنهم لم يطيعوا القيادة الرسالية التي بعثت اليهم، وهذه هي خلاصة الانحراف الذي جاء الانبياء من اجل اصلاحه في المجتمعات الانسانية. ٢- ضرورة الربط بين القرآن والحياة ونحن لو ادعينا ان الانبياء أنما أرسلوا الى قوم أنكروا الله انكاراً تاماً ، وبشكل علني، لفصلنا جزء كبيراً من القرآن الكريم عن التفاعل مع حياتنا ، ذلك لأن الناس على مر التاريخ وخصوصاً في الوقت الحاضر لا ينكرون الله عادة انكاراً تاماً وصريحاً ، فاذا سألتهم ؛ من ربكم ؟ ، لما ترددوا في القول انه الله - تعالى، وحتى المشركين في مكة المكرمة كانوا يطوفون حول الكعبة مرددين : «لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك ...»، فقد كانوا يقولون اننا لا تبعد الاصنام الا لتقربنا الى الله زلفى، ومن ثم اتخذوا هذه الاصنام وسيلة منحرفة لعبادة الله -تعالى-. الانحرافات السلوكية هي المشكلة الكبرى :
ان المشكلة الحقيقية التي ما تزال موجودة في العالم هي مشكلة الانحرافات السلوكية والحضارية ؛ أي انحراف الانسان عن القيادات الرسالية الصحيحة، وهذه هي المشكلة الحقيقية، فالمشاكل التي نعاني منها هي من نوع انحراف الانسان النفسي بالاضافة الى الامراض التي يعاني منها في جميع مجالات حياته ، فلو قلنا ان الانبياء لم يأتوا لمعالجة هذه الامراض، فان هذا يعني فصل القرآن عن المجتمع.
فالبعض منا يمارس تلاوة القرآن تلاوة غير واعية - على ضوء هذا الفهم.
مع اعتقاده الراسخ ان هذه الآيات التي يتلوها لا تخصه، لان الانبياء لم يبعثوا لمعالجة الامراض التي نعاني منها الآن، في حين ان هذا الفهم بعيد عن روح القرآن الذي بين بشكل واضح ان الانبياء لم يؤدوا رسالتهم ليركزوا على سلوكيات معينة في المجتمع وعلى معالجة انحرافات خاصة .
تأملوا - مثلاً - سورة يونس، والانبياء، والشعراء، والقصص، والروم فهذه السور وغيرها توضح كيف ان رسالات كانت موجهة لمعالجة انحرافات سلوكية بعضها اقتصادية، وبعضها اجتماعية، وأخرى خلقية، وعلى سبيل المثال : لماذا رفض قوم لوط رسالة الله - تعالى - التي جاءتهم على يد النبي لوط (ع) ؟
لانهم كانوا منحرفين خلقياً، ولأن لوطاً (ع) كان مأموراً بمحاربة هذا الانحراف، ولذلك فقد رفضوه، فعذبهم الله ، وهكذا الحال بالنسبة الى الرسالات السماوية الأخرى.
فهم الحياة من خلال القرآن ان الآيات القرآنية يجب ان تفهم من خلال القرآن ذاته ، وذلك لأن مفردات كثيرة قد تغيرت خلال اربعة عشر قرناً منها اللغة ، فالكلمات التي كانت تعطي بعض المدلولات قبل عصر الرسول (ص) اصبحت تعطي مدلولات اخرى بعد عصره (ص).
ان للكلمات ايقاعات وايحاءات خاصة، وقد لا يتغير المعنى الاساسي للكلمة، ولكن ايحاءاتها واشاراتها وظلالها تتغير حسب الظروف، ولذلك نجد اشارات في معاجم اللغة الى هذه التغيرات، وكلمة الشرك يختلف معناها بين امرين : أولهما السجود لصنم حجري، وثانيهما الخضوع لصنم بشري، وهناك فرق كبير بين الأمرين، فالمدلول الاول لا يشمل الا مجموعة قليلة من الناس ، في حين ان الثاني يشمل الملايين الذين يخضعون للأنظمة الفاسدة . وعلى هذا فان هذا المصطلح مرتبط بمصالح الانسان وأهوائه ، وله اتصال بتزيين الشيطان للانسان اعماله ، وتسويل النفس الامارة بالسوء، ونحن نعلم ان الانسان مارس طيلة التأريخ التحريف والتأويل والتبديل، وحاول أن يتهرب من رسالات السماء بطرق مختلفة، وقد فعل ذلك ، وفعله هذا يعبر عنه القرآن بكلمة (الشرك). ومن هنا فقد تغيرت القواميس والافكار، ولابد لنا من ان نجد ينبوعاً آخر لفهم القرآن الكريم، ألا وهو القرآن نفسه، ولذلك جاء في الحديث الشريف عن الامام علي (ع) : كتاب الله تبصرون وتنطقون به، وتسمعون به ، وينطق بعضه ببعض، ويشهد بعضه على بعض (۱)، وكما جاء في الحديث الشريف : من فسر القرآن ببعضه هدي الصوات». ان القرآن الكريم لم يدع كلمة ذكرها في آياته الا وفسرها في آيات اخرى ولكن الناس لا يبصرون لأنهم لا يتدبرون في القرآن ، ولو تدبروا لعرفوا كلمة الشرك ومعنى الكفر والكلمات الأخرى المرتبطة بهما مثل الفسق، وفي القرآن الكريم اشارات واضحة إلى معانيها ومن ضمنها معنى الكفر الذي تشير اليه الآية التالية : «والله على الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلاً ومن كفر فان الله غني عن العالمين» .
وهذا يعني ان الكفر قد يتجسد في عدم الحج. وهناك آية اخرى تقول : «والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلتهم في الصالحين»، ففي هذه الآية دلالة على ان الذي لا يعمل الصالحات ولا يؤمن هو الآخر كافر، وهكذا الحال بالنسبة الى سائر المصطلحات القرآنية. والآن لتر هل ان الانحراف الذي مالت اليه الامة الاسلامية في عصر الامام الحسين (ع) كان يشبه الانحراف الذي كان عند الأقوام الذين بعث اليهم الانبياء (ع) ؟ ولماذا أمرنا ان نقول ونحن نقرأ زيارة الامام الحسين (ع) : السلام عليك يا وارث آدم صفوة الله .... السلام عليك يا وارث محمد حبيب الله ؟ وكيف كان الامام الحسين (ع) وارثاً لكل الانبياء ؟ مولاة الحسين (ع) ليس مجرد شعارات تطلق : ان انتفاضة الامام الحسين (ع) كانت امتداداً لحركة الانبياء (ع) ورسالته كانت رسالتهم وبالتالي فاننا بدورنا نستطيع ان نقوم بنفس الدور اذا ما استلهمنا التأريخ، وجسدنا دور الانبياء، وجعلنا الامام الحسين (ع) اماماً لنا فأي صفة كانت في الامام الحسين (ع) اقتبسناها ، وأتي سلوك صدر منه (ع) تخلقنا به ، حتى صرنا بذلك من أتباعه وشيعته ومواليه . ترى لماذا نقف امام ضريح الحسين (ع) ونقول :« انا سلم لمن سالمكم، وحرب لمن حاربكم»، فمن الذي كان سلماً للامام الحسين (ع)، ومن الذي كان محارباً له ؟ ، ان اشخاصاً من مثل حبيب بن مظاهر، والعباس، وعلي الأكبر، والقاسم هم الذين سالموا الحسين (ع) ، واشخاصاً من مثل يزيد، وابن زياد، وعمر بن سعد.. وكل طاغية باغ ناشر للفساد هم الذين حاربوا ويحاربون الامام الحسين (ع). لماذا نقف قائلين : ياليتنا كنا معكم»، ولماذا ندعي اننا من شيعة الامام الحسين (ع) إن لم تعرف من الذي حاربه (ع) ومن الذي قاومه ولماذا ؟ ، هذه التساؤلات يجب علينا ان نفكر فيها ، لا أن تجلس عاجزين ، ونتذرع باننا لا تستطيع الاقتداء بالامام الحسين (ع).
ان الذي خلق الحسين (ع) قد خلقنا نحن ايضاً، والذي أودع في الامام الحسين (ع) تلك الصفات الخيرة اودع شيئاً منها فينا كبشر، ثم جعل الحسين (ع) امامنا لنقتدي به في تلك الصفات بالذات. وعلى هذا فان رسالة الامام الحسين (ع) والانبياء (ع) ما تزال حية على الأرض، فعلينا ان نجسدها في انفسنا، ونبدأ بالتحرك عبر تلك المسيرة الثورية التي كان ابو عبد الله الحسين (ع) احد ابرز ابطالها ، وأئمتها.
📚 إن الحسين مصباح هدى وسفينة نجاة.
سماحة آية الله العظمى المرجع المجدد السيد محمد تقي المدرسي دام ظله
