القمم الشامخة في النهضة الحسينية
مثل الناس في الحياة كمثل الجبل المرتفع الذي ترى فيه القمة العالية ، والسفح العالي، ثم السفوح الواطئة حتى تصل الى الوادي ، ثم ترى في الوادي بشراً ، وفي قعر البئر ماء، وهكذا الحال بالنسبة الى الناس فالبعض منهم يعيش في القمة، وآخرون يعيشون في اعالي السفح وهكذا حتى تصل الى فريق من الناس يعيشون في مستوى متدن.
كيف نعرف درجتنا الايمانية ؟
والمراقب الذي ينظر من بعيد الى منظر كهذا من السهل عليه أن يميز درجات الناس، ولكن الذي يجلس في موقع من مواقع الجبل فان من الصعب عليه ان يميز موقعه، ربما يمكنه ان ينظر الى من هو تحته فيدرك انه اقل منه مستوى ، ولكن هل يستطيع ان يميز من هو فوقه ؟ وفي الواقع فان القليل من الناس يستطيعون ذلك، فالأمر ليس بهين، ذلك لان حب الذات، والانانية المقيتة، واعتقاد الانسان بأن خطه هو السليم كل ذلك لا يدعه ان يفكر في موقعه الذي هو فيه .
والذي يزيد الطين بلة ان غالبية الناس يعلمون ان هناك اناساً قد استقروا في أعالي القمم، وأنهم هم الحجة الذين ينبغي ان تحاول الوصول الى مستويات قريبة من مستواهم، فنحن نعلم ان علينا الاقتداء بالنبي (ص)، حيث يقول - تعالى -: «لقد كان لكم في رسول الله اسوة حسنة» ، وكذلك الحال بالنسبة الى الاقتداء بالأئمة الاطهار والأولياء والصالحين واصحاب الرسول (ص)..
نحن نعلم كل ذلك ولكننا مع ذلك لا نعلم المستوى الذي نستقر فيه ، وعليه فاننا لا نعلم حجم الجهد الذي يجب ان نبذله لنصل الى تلك القمة.
فأنت على سبيل المثال تقف عند قبور انصار الحسين (ع) وتقول : ياليتني كنت معكم فأفوز فوزاً عظيماً ، ولكن هل تدري معنى ما تقوله ؟ وهل تعرف موقعك بالنسبة الى من تريد ان تكون معهم ؟ لو كشف لك الغطاء لعلمت بانهم في قمة شاهقة وانك في السفح الداني، وان عليك ان تصعد عالياً وطويلاً حتى تصل الى القمة، فقد كان الواحد منهم مثل حبيب ابن مظاهر الاسدي يختم القرآن في ليلة واحدة، فقد كان يبدأ بقراءة سورة الحمد عند أول الليل وينتهي الى كلمة الناس في ثانية المعوذتين عند طلوع الفجر أو قبيله .
وأنا هنا ادعوك لأن تجرب هذا العمل ولو لمرة واحدة، وعند ذاك انظر هل تستطيع ان تكون معهم ام لا ؟ فان لم تستطع ووسوست لك نفسك بانك تريد أن تنام وترتاح ، فعليك ان تفعل ذلك في ثلاث ليال ، فان لم تستطع ففي خمس أو عشر، وان لم تستطع فاختم القرآن في ثلاثين ليلة ، وهكذا فان عليك ان تصعد ثلاثين درجة حتى تحرز صفة من صفات حبيب بن مظاهر. لتحاول ان نكون كأصحاب الحسين (ع) : حاول أن تصل الى درجة الحرين يزيد الرياحي - مثلاً - ، فان صممت على ذلك فعليك ان تجرب نفسك كقائد جيش او ضابط فيه حيث وسائل التضليل والتزوير والترهيب والترغيب متوفرة، وحيث هناك عمليات منظمة لغسيل الدماغ سلطت عليك ليل نهار، فصورت لك ان الحسين (ع) خارجي ، وان شريحاً قد افتى، وخليفة المسلمين أمر، وامير الكوفة نفذ، والحسين (ع) خالف ، كل هذه الاوضاع تدعوك الى ان تتبع الأوامر لانك عسكري ، ولكن عليك كإنسان ان تتجاوز هذه الاوضاع ، وتثور على هواك فتنتصر عليه ، وتنضم الى جانب الحق، وهذا هو ما فعله الحر، فان اردت أن تكون معه فافعل ما فعله . واذا ادعيت انك تستطيع ان تصل الى درجة الاصحاب لانك رجل مؤمن أو عالم دين أو خطيب مقتدر فجرب نفسك اذا ذهبت مرة الى مجلس ورأيت خطيباً يصعد المنبر وقد التف الناس من حوله في حين ان منبرك لا يحضره الا القليل، فقد تتساءل في هذه الحالة : لماذا التف الناس حول هذا الخطيب ، وتفرقوا من حولي ؟ وحينئذ ستوحي لك النفس الامارة بالسوء بانه ينتمي الى الجماعة الكذائية، او لانه يكذب في كلامه، او لانه كذا وكذا ... وهكذا يوسوس الشيطان في صدرك حتى تكاد تصدق الأمر، ولكن - اذا كنت مؤمناً حقاً - سرعان ما يرد الى ذهنك نداء يدعوك الى العدول عما وسوسه لك الشيطان ، والعودة الى ما يأمرك به القرآن. وهكذا فان هداية الله تأتيك في لحظات ، وتمر عليك كالبرق الخاطف في الليالي المظلمة ، فان كنت ذا ارادة قوية فانك ستتمسك بهذه الهداية ، وتنقذ نفسك من الهلاك.
واذا ما نصبت - على سبيل المثال - اماماً للجماعة في مسجد ثم جاء آخر افضل منك فعليك ان تختار التنازل عن هذه الامامة لذلك الرجل لانه اجدر بها، فهل لك القدرة والارادة لأن تقوم بذلك ؟ ، فأنت اذا ما تمسكت بحبل الله المتين فسوف يطمئن قلبك ، وتستطيع ان تزيل النواقص الموجودة فيك.
لنتجاوز نواقصنا البشرية :
أرأيت كيف ان اصحاب الحسين (ع) ضحوا بأموالهم وانفسهم في سبيل الله ؟ أن هذه التضحية لم تكن في مقدورهم مالم يتجاوزوا النواقص البشرية ، والوساوس الشيطانية في أنفسهم، فالحر قد قتل نفسه الامارة بالسوء في لحظة واحدة فتقدم نحو نور الهداية تاركاً وراءه الحقد والحسد وحب الرئاسة والانحرافات الأخرى، وكذلك بقية اصحاب الامام الحسين (ع) اذ انهم جاهدوا بأموالهم وانفسهم.. فالعباس (ع) كان راكباً فرسه ليل نهار يحمي اهل البيت، وعندما اقتحم بفرسه هذا المشرعة مد يده الكريمة ليغترف غرفة من الماء يشربها ، فيدور في ذهنه ما يدور ويلقي الماء و يقول : يا نفس من بعد الحسين هوني وبعده لا كنت ان تكوني هذا الحسين شارب المنون والله ما هذا فعال ديني وتشربين بارد المعين ولا فعال صادق اليقين فهذه هي الارادة المثلى ، فقس ارادتك على ضوئها ، فأنت عندما تصوم في أيام الصيف فانك تذهب لتغسل وجهك عدة مرات في اليوم، وتنام تحت المكيف .. فهل يمكن ان تقاس ارادة العباس (ع) بارادتك ؟ ومع ذلك فان من لطف الله - تعالى - أن لا يمتحن عباده بامتحانات صعبة دائماً، وذلك جاء في الدعاء القرآني : «ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به» ، كما جاء به الدعاء أيضاً : «اللهم أني أعوذ بك من جهد البلاء » . اما اذا كان ايمان الانسان ضعيفاً ، فانه لا يستطيع ان يجتاز الامتحان وان كان سهلاً ، فالسجن - مثلاً - هو أحد الابواب المشرعة امام المجاهدين، وأحد ابواب الجنة ولكن بشرط ان تستطيع المقاومة ، فاذا ما أدخل المجاهد الى السجن، وبدأ العذاب الجاهلي ينزل عليه ؛ فعلقوه من رجليه بالمروحة ، وتركوه عطشان وجوعان، وأذاقوه السهر وقوفاً على قدميه ، فحينئذ عليه ان يجرب ارادته ، و يتذكر موقف العباس (ع) ، فيكتشف في أي موقع من ذلك الجبل هو مستقر.
📚 إن الحسين مصباح هدى وسفينة نجاة.
سماحة آية الله العظمى المرجع المجدد السيد محمد تقي المدرسي دام ظله
