ضرورة معالجة الانحراف
وبناء على ذلك يتبين لنا ان الانحراف بمختلف انواعها لا تبدأ مرة واحدة عند الامة اية امة، بل انها تظهر تدريجياً، والمشكلة هي ان الناس ينظرون دائماً الى نهاية الانحراف ؛ أي عندما تبدأ الخلايا السرطانية بالانتشار في جسمها ، والمصلحون وحدهم هم الذين يكتشفون بداية الانحراف، فاذا وعيت الامة واستوعبت نصيحة الناصحين استطاعت عندئذ ان تقضي على الانحراف، وعلى العكس من ذلك فان قدرتها على معرفة الانحراف مستقل، فالانسان الذي لم يقترف ذنباً يدرك ان الذنب خطير، فيتهيب منه لانه يعرف مدى قذارته، ولكنه اذا قارن الذنب أكثر من مرة فان روحيته ستتبدل، ويفقد ضميره الذي يحاسبه على الذنب.
ماذا تحتاج الأمة في مثل هذه الحالة ؟ أنها تحتاج بالتأكيد إلى نصيحة وتفجير في ضميرها، وهذا ما فعله الامام الحسين (ع) في كربلاء، فقد قام بعملية تفجير هائلة القوة، وهز ضمير الأمة لكي يهدم البناء المنحرف داخل المجتمع وداخل النفس البشرية. ان انحراف بني امية لم يكن في السلطة فقط ، فانحراف السلطة هو الدليل على انحراف الأمة والمجتمع، وحينئذ يكون الظالم والمظلوم مشتركين في الجريمة ؛ الظالم الظلمه، والمظلوم لسكوته على الظلم، وعلى سبيل المثال نتساءل : من الذي عقر ناقة صالح ؟ لقد كان رجلا واحداً، ولكن الله - تعالى- انزل البلاء والعذاب على قومه كلهم عندما سكتوا عنه، ورضوا بفعلته، ومن الذي قتل الامام الحسين (ع) ؟ لقد كان رجلا واحداً بالطبع، ولكننا مع ذلك نلعن كل من حضر ارض كربلاء من جيش يزيد، وكل من رضي بهذه الفعلة الشنيعة للأمر التأريخ، أولسنا نقول في زيارتنا للحسين (ع) : « ولعن الله أمة سمعت بذلك فرضيت به »؟ والسبب في ذلك ان السكوت عن الظلم لا يقل جريمة عن الظلم ذاته، وقد بدأ ظهور الانحراف في الامة الاسلامية لسكوتهم عن الظلم أولا، ولأستدراج النعم لهم كما عبر عن ذلك حبيب بن مظاهر عندما خاطب جيش يزيد قائلا : « ملئت بطونكم حراماً ». ترى ماذا تعني هذه الكلمة ؟ انها تعني ان الأنحراف يؤدي بالأنسان الى قتل ابن بنت نبيه وهو لا يبالي لأن اكل الحرام يورث قسوة القلب كتلك التي كانت عند شمر وعمر بن سعد، وحرملة، وعند كل الجلادين الذين يقتلون الشباب المؤمن. وقد اصبح قتلة الحسين (ع) قساة القلب عندما ارتضوا لأنفسهم ان يصبحوا اجراء عند السلطان الظالم، فهم في تلك اللحظة اصبحوا قساة القلب، وفي تلك اللحظة ارتكبوا الجريمة.
الانحراف بدأ اقتصادياً :
لقد بدأ انحراف الأمة الأسلامية في عصر الامام الحسين (ع) اقتصادياً، وكانت تحتاج الى صيحة قوية، وقد انطلقت هذه الصيحة من كربلاء من فم الحسين (ع) بل من نحره، فقد يسكت الفم ليتفجر دماً ولساناً ناطقاً كما حدث في كربلاء التي نبهت الناس الى انهم انحرفوا مرتين ؛ مرة عندما ارتبطوا بالنظام الاقتصادي فأكلوا السحت والحرام، ومرة عندما اقدموا على ارتكابهم هذه الفعلة الشنيعة المتمثلة في قتل الأمام الحسين (ع).
ومن هنا يبدأ انحراف الامة، وانحراف النفس التي تبيع مبادئها بدينار و يعد شمر بن ذي الجوشن المثال على ذلك اذ قال لأبن زياد بعد ان قتل الحسين (ع) : املاً ركابي فضة أو ذهباً لقد قتلت الرجل المحجبا قتلت خير الناس أما وأبا وهذا هو معنى الانحراف الاقتصادي، انه أكل الحرام والتعبير بـ ( الأكل الحرام) افضل من الانحراف الاقتصادي لأن الحرام يعني اكل ما لا تجوزه الشريعة الاسلامية.
اننا نعرف ان الربا حرام، وان النظام المصرفي الرأسمالي حرام، وكذلك العدوان، واكل اموال الناس بالباطل، فلو رفضنا التعاون مع الانظمة الرأسمالية الفاسدة، والحكومات الظالمة اقتصادياً لسقطت ولما استعبدنا، وانتهكت حرماتنا، وسحقت كرامتنا، ذلك لأننا لم نفهم منذ البدء معنى الانحراف وأكل الحرام.
لقد عرفت بنت الصحابي ابي ذر الصغيرة هذا المعنى افضل منا عندما جاءت اليها السلطات الفاسدة بعسل، وكانت جائعة لم تطعم شيئاً منذ ثلاثة أيام، فذاقت قليلا من هذا العسل، واذا بأبيها يدخل عليها و يفهمها ان معاوية هو الذي أرسله، وحينئذ ذهبت جانباً، ووضعت اصبعها في حلقها، وأفرغت العسل وهي تنشد هذه الابيات المعروفة : أبا لعمل المصفى يابن هند تبيع عليك ايماناً وديناً وهكذا عرفت هذه الطفلة بفطرتها البريئة، وبصيرتها الدينية ان اكل الحرام هو بداية الانحراف ولكن أهل الكوفة لم يعرفوا هذا الواقع.
العلاقة بين حركة الحسين (ع) وحركة النبي صالح (ع) :
وعندما تجد الامام الحسين (ع) يكرر هو واصحابه قصة ثمود في كربلاء، و يشبه ابنه الرضيع بناقة صالح لابد ان نعرف ان هناك علاقة بين حركته (ع) وبين حركة صالح (ع)، لأنها نفس الثورة ونفس الحركة.وهنا اذكر آيات من سورة الشعراء في قصه ثمود الذين انحرفوا على الصعيد الاقتصادي فانحرفوا سياسياً، فادى بهم هذا الانحراف الى قتل الناقة، وبالتالي الى عذاب الله الشديد : كذبت ثمود المرسلين . اذ قال لهم اخوهم صالح ألا تتقون . اني لكم رسول امين . فاتقوا الله واطيعون . وما أسألكم عليه من اجر ان اجري الا على رب العالمين ». وفي موضع آخر يقول عنهم الله - تعالى - : أتتركون في ماها هنا آمنين في جنات وعيون . وزروع ونخل طلعها هظيم . وتنحتون من الجبال بيوتاً فارهين . فاتقوا الله واطيعون * ولا تطيعوا أمر المسرفين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون . قالوا انما انت من المسحرين . ما أنت الا بشر مثلنا فأت بآية ان كنت من الصادقين . قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم . ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم . فعقروها فأصبحوا نادمين . فأخذهم العذاب ان في ذلك لآية وما كان اكثرهم مؤمنين » .
وللانحراف الاقتصادي عند الامم السابقة انواع ؛ نوع عند ثمود، وآخر عند قوم لوط، وكلا النوعين يتشعبان من مصدر واحد هو الانحراف النظري للمال والمهمة الثروة والاسراف فيهما ؛ فقوم لوط اسرفوا في نعم الله فشذوا عن الطريق، واصيبوا بالشذوذ الجنسي وأنواع اخرى من الشذوذ، في حين ان قوم صالح توالت عليهم النعم، فاصبحت مادة للفساد لتصل الى حالة الطبقية المقيتة.
اما المجتمع الاسلامي فقد بدأ الانحراف فيه منذ عصر عثمان، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة، والزبير، ومروان بن الحكم، ومعاوية بن ابي سفيان الذين احاكوا المؤامرات منذ ايام النبي (ص)، وقد اثر هذا الخلف على المسلمين في فتوحاتهم للبلاد المختلفة تأثيراً فاحشاً الى درجة ان احدهم خلف ذهباً كثيراً عندما مات، والآخر لم يكن بالأمكان احصاء ضياعه وامواله ! وقد سعى هذا النظام الاقتصادي الفاسد الى ربط اموال الناس ومقدراتهم بعجلة الاقتصاد المنحرف، وبذلك استطاع ان يعبى ثلاثين الف انسان مقابل دنانير معدودة، فمثل هذا النظام قد تشبع بالفساد الاجتماعي، وهو بحاجة الى صيحة قوية كتلك التي توقظ النائم، لتهز ضمير المجتمع.
كربلاء حياة لكل العصور ان مأساة كربلاء عميقة وواسعة في جميع الابعاد، ومن هنا نلاحظ ان الخطباء بامكانهم ان يربطوا أي موضوع بهذه المأساة لأنها مرتبطة بجميع مجالات الحياة؛ فاذا ما أردنا التحدث عن المرأة أو الرجل أو الطفل، وعن الوفاء والبطولة والشجاعة أو عن أي صفة حسنة كانت ام رديئة، فاننا نستطيع ربطها بواقعة الطف ؛ فالصفات الحسنة نجدها عند اصحاب الامام الحسين (ع) في أروع صورها ؛ فالوفاء يتجسد في ابي الفضل خاصة في تلك اللحظات المريرة قبیل شهادته عندما رمى الماء على الماء، ولم يشرب حتى جرعة واحدة بعد ان تذكر عطش الامام الحسين (ع)، وهنا تتضح بجلاء رفرفة الروح في سماء الرفعة الامام الحسين (ع) والوفاء، وهذا مشهد من أرض كربلاء ملهم للانسانية، وهو ايضاً درس من دروس كربلاء.
وفي ملحمة عاشوراء يتمثل لنا الوفاء في شخصية القاسم (ع)، فقد كان باستطاعته الانسحاب من الميدان، فهو لم يكن قد بلغ الحلم فالقتال ساقط عنه، ولكننا نرى ان روحه الوفية لابي عبد الله (ع) تأبى له ذلك. اما زينب (ع) فقد قدمت مع اخيها الى كربلاء من اجل بقاء دين الله تعالى، فهي تمثل الشجاعة في طريق الحق، الشجاعة التي تجللها روح التضحية وسموا النفس، وهكذا الحال بالنسبة الى سائر الاصحاب (ع).
ومن هنا كانت كربلاء صيحة في ضمير الانسان الذي يتدرج في طريق الانحراف، فجاءت هذه الصيحة، وهزت الامة الاسلامية من الاعماق، وأنا لا استطيع ان اتصور مدى الانحراف الذي ستنحدر اليه الامة لو ان واقعة عاشوراء لم تحدث، فهل كان من المقدر ان يكون هناك مسلم أو مجتمع اسلامي ؟ ان هذه المأساة التي صنعها الامام الحسين (ع) بدمه الزكي، ودماء اصحابه، وسبي نسائه هي التي ضمنت بقاء الاسلام، وهي التي وضعت حداً للانحراف الخطير الذي سرى في جسد الأمة الاسلامية، فالسلام على الحسين (ع) واصحابه واهل بيته وجزاهم الله بما صبروا وضحوا خير الجزاء.
📚 إن الحسين مصباح هدى وسفينة نجاة.
سماحة آية الله العظمى المرجع المجدد السيد محمد تقي المدرسي دام ظله
