فلسفة كربلاء
ترى لماذا عرض الامام الحسين (ع) نفسه الى القتل ؟، ولماذا جاء باصحابه وأهل بيته، واولاده وحتى طفله الرضيع ؟ الجواب يأتي من قبل الذين حملوا رسالته (ع) من بعده زينب الكبرى (ع)، وفاطمة الصغرى، وأم كلثوم، وسكينة التي كانت الى آخر ايام حياتها تندب اباها الحسين (ع) .
ان فلسفة كربلاء لا تتلخص في ان الامام الحسين (ع) علم الناس كيف يحملون السيف، بل انه اثار في اذهانهم انه انما قتل ليتحمل بعض ذوي الضمائر الحية رسالتهم، ويرتفع مستوى وعي الجماهير وارادتها الى قمة الايمان والالتزام، فدور الثقافة - اذن هو جزء من فلسفة شهادة الحسين (ع)، وهو مسؤولية ملقاة على عاتق الباقين .
ان هذه المسؤولية لم تكن ملقاة على عاتق زينب (ع) في أيام الحسين (ع) فحسب بل انها باقية الى يومنا هذا، فهو (ع) ما يزال حياً متجسداً في من يحمل رسالته، وان يزيد ما يزال طاغوتاً متمثلا في فكره الفاسد، وفي من يمثل دوره من الطغاة .
وقضية كربلاء ما تزال تحمل آفاقاً لم تكشف بعد، وأبعاد لم يهتد اليها الناس وخصوصاً تلك المتعلقة بالذين حملوا الرسالة من بعد الامام الحسين (ع) كزينب الكبرى، فالقضية ما زالت الى الآن تحمل آفاقاً لم يرتادها احد، واذا ما اكتشفت هذه الآفاق فانها بقدرها سوف تعطي زخماً للثورة، وتعطي لهذا التيار المبارك شحنات جديدة ولذلك تبقى الرسالة الاعلامية هي نفس الرسالة التي حملتها زينب (ع) في عصر الامام الحسين (ع) .
وبالتأكيد فان حركته (ع) كانت تمهيداً للثورات التي تفجرت من بعدها، وقد حددنا وجوه الشبه في الفصول السابقة بين الحركات الرسالية في التاريخ بقيادة الانبياء (ع)، وبينا ان كل ذلك قد استوحيناه من سورة الشعراء، ففي نهاية هذه السورة ذكرنا دور الثقافة والاعلام هذا الدور الذي اشارت اليه الآيات الاخيرة من هذه السورة المباركة وهي : هل انبؤكم على من تنزل الشياطي * تنزل على كل افاك اثيم * يلقون السمع واكثرهم كاذبون * والشعراء يتبعهم الغاوون * الم تر أنهم في كل واد يهيمون . وانهم يقولون مالا يفعلون الا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعدما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون »
الشعراء من وجهة نظر القرآن الكريم : فالشعر هو سلاح ذو حدين، والقرآن يقسم الشعراء الى قسمين :
1 - الذين يكتفون بالكلمة عن الفعل، ويتيهون في وادي الخيال و يتبعهم الناس الذين لا هدى لهم، وهؤلاء الشعراء يذمهم القرآن الكريم، و يصف شعرهم بالافك المنطلق من وحي الشيطان.
٢ - الشعراء المؤمنون الذين يعملون الصالحات .
ولكن هل يكفي هذا ؟، فالقرآن يقول ان الشعراء الحقيقيين هم الذين ينتصرون من بعد ما ظلمواء والشاعر الحقيقي هو الذي يحمل قضية المظلومين ويبدوا هذا واضحاً من خلال التاريخ، ومن خلال الآية الكرية، ونحن نستوحي منهما أن من يستطيع ان يقول شعراً، أو يلقي خطاباً، أو يؤلف كتاباً لابد ان يصطدم في بداية عمله بعقبات اجتماعية واخرى سياسية واقتصادية . فلو افترضنا ان احد المؤلفين كتب كتاباً بكل ما يراه حقاً ثم نشر هذا الكتاب فمن الطبيعي ان الآخرين لا يرون رأيه مما يدفعهم الى مخالفته الأمر الذي يؤدي الى حدوث الاصطدام بينهم، وفي هذا الوقت يحتاج هذا الانسان الذي قال الحقيقة الى المقاومة والنضال، لأن الشاعر الذي يحمل رسالة الانسان المظلوم والمحروم لا يمكن ان يردعه الطغاة، والمفسدون في الأرض، والمستكبرون من الرأسماليين والاقطاعيين وغيرهم .
وهنا يتبين مدى صمود هذا الشاعر، والقرآن يصرح ان الشاعر الحقيقي هو الذي ينتصر من بعد ما ظلم، وعندما يحاول الطغاة اسكانه فانه يقاومهم بكل قوة، ويتحدى الوضع الفاسد الذي يريد اركاعه وإخماد صوته الثوري .
ان الشعراء المناضلين في التأريخ كانوا يعيشون على أكل خبزة يابسة و ينامون في الشوارع، لأنهم كانوا يحملون رسالة الشعر الحقيقية، فالفرزدق الذي كان من الموالين لأهل البيت (ع)، وكان والده من اصحاب الامام علي (ع) مر بالامام الحسين (ع) وهو يسير باتجاه مكة، فقال له : يابن رسول الله الى اين تذهب ؟ فقال (ع) : الى الكوفة، وكيف تجد الناس هناك، فقال : يابن رسول الله قلوبهم معك وسيوفهم عليك .
وقد أثرت هذه الحادثة في قلب الفرزدق تأثيراً بالغاً، ويحيل الي انه وقف يرقب قافلة الامام الحسين (ع) وهي تتجه الى الموت طويلاً قبل ان يبتلعها غبار الصحراء، فبقي اثر تلك النظرات في قلب الفرزدق حتى انفجر شعراً في وجه النظام الأموي وبالذات في مكة المكرمة وعند البيت الحرام عند مدحه للامام زين العابدين (ع) في قصيدته المشهورة التي يقول فيها : هذا الذي تعرف البطحاء وطأته والبيت يعرفه والحل والحرم هذا ابن فاطمة ان كنت جاهله بجله انبياء الله قد ختموا الشعراء السنة الجماهير:
ففي عصره كان الشعراء هم السنة الجماعين وهم الجهاز الاعلامي الوحيد تقريباً في ذلك اليوم، وهذه القصيدة كانت من القصائد الرئيسية التي ساهمت في اسقاط بني امية حيث تحمل الفرزدق مسؤولية شعره هذا، وذهب راضياً إلى السجن .
وهكذا الحال بالنسبة الى دعبل الخزاعي الذي كان يهيم على وجهه في الصحراء عدة سنين وهو يحمل خشبة اعدامه على كتفه، وكان شعره انشودة يرددها كل البؤساء، لأنه كان جزء من هذه الطبقة المحرومة .
وهكذا فان الذي يريد ان يحمل رسالة الشعر، ورسالة الكلمة، لابد ان يكون ممن قال عنه الله - سبحانه وتعالى : ... الا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيراً » ، فيكون هدفه ذكر الله - تعالى، وتوجيه الناس وتوعيتهم . فيا من تحملون رسالة الشهداء في التأريخ ويا من تحولون دم الشهيد الى روافد، يجب ان لا تزرعوا اليأس في قلوب الناس، بل ليكن هدفكم زرع الشجاعة والأمل والرجاء في قلوب الناس .
ومن هنا فان هذه الآية الكريمة تحمل المبلغين مسؤولية تحويل دماء الشهداء الى قنوات فاعلة للعمل الاسلامي معتمدين في ذلك على حث الجماهير على الجهاد، وبث الأمل في نفوسهم، وكسر حواجز الخوف والتردد في قلوبهم .
📚 إن الحسين مصباح هدى وسفينة نجاة.
سماحة آية الله العظمى المرجع المجدد السيد محمد تقي المدرسي دام ظله
