IMG_20260708_094308_487.jpg

    كربلاء .. المسيرة

    12 يوليو 2026

    كربلاء .. المسيرة

    لقد أنتهت مأساة كربلاء لتبدأ مسيرة كربلاء. أنتهت هذه المأساة بسفك ازكى الدماء، وسبي اطهر النساء، وحدوث فاجعة لم يسبق لها مثيل عبر التاريخ، لتبتدىء بعد ذلك مسيرة جديدة، وهذه المسيرة تحولت الى حقائق راسخة توغلت في عمق الانسان حتى اصبحت جزء منه وكأنها سنة من سنن الكون. دور الثقافة في انتصار الثورات : ولكن من الذي قاد هذه المسيرة ؟ قبل ان نجيب على هذا السؤال لابد ان تلفت الانظار الى دور الثقافة في الثورة، فكلنا نعرف ان الثقافة هي عصب الثورة، فعلى قاعدة التوحيد والايديولوجية تبنى الثورات، ومن هذه القاعدة تنطلق. ولولا ايمان الثائرين الذي يدفعهم الى التضحية من اجل الثورة، ولولا وجود فلسفة الشهادة في الامة الاسلامية، لما كانت الثورات ممكنة الحدوث عبر التأريخ وخصوصاً الثورات الاسلامية بما كانت تحمل من بطولات وشجاعة. ومع ذلك فان دور الثقافة لا ينتهي عند هذا الحد، لان الدور الاعظم لها يبدأ بعد الثورات، وسواء انتهت هذه الثورات بانتصار أو بنكسة مؤقتة فإن للثقافة دوراً اساسياً فيها. ان الاسلام قام منذ البداية على اساس التضحية والفداء، والتعبير الذي يقول ان الدم ينتصر على السيف هو التعبير الموجز المستلهم من الآيات القرآنية وخصوصاً من قوله - تعالى على لسان النبي نوح (ع): «ربي اني مغلوب فانتصر»، وهو تعبير يلخص تأريخياً حافلا بالدماء والدموع. ولاريب في ان الثورة الاسلامية حتى في بداية انطلاقها في عهد الرسول (ص)، كانت تعتمد على دماء الشهداء الذين يقتلون في سبيل الله، ومع ذلك فان لم يكن هناك لسان ناطق باسم هذه الدماء، ولم تكن هناك فكرة معبرة عن تلك الشهادة، فان الدم سيذهب هدراً، وبذلك لا يحقق اهدافه المقدسة. وبالفعل لو أنتهت مأساة كربلاء باستشهاد ابي عبد الله الحسين (ع) فلا ريب في ان هذه المأساة كانت ستطوى في عالم النسيان لولا ذلك اللسان الناطق باسم الثورة، والمتمثل في زينب الكبرى (ع) التي حملت معها مأساة كربلاء لتطوف بها في كل ارض ومصر. وبعد، فهذا هو دور الثقافة والاعلام، فالذي يحيي الشهيد ويميته هو الاعلام، ولذلك فان مسؤولية بقايا السيف والدم هي مسؤولية أكبر من مسؤولية الشهداء، فعندما يقوم نظام طاغوتي - كنظام صدام باعدام الصفوة من ابناء امتنا في العراق يطرح سؤال مهم وهو من الذي يحدد مصير هذه الصفوة المستشهدة ؟ انها مسؤولية اصحاب القلم واصحاب الفكر، فعندما يسقط شهيد لابد ان يرتفع من حوله وعلى كل بقعة من دمائه علم يدعو باسمه، ويصنع منه سيفاً يلاحق الطغاة في نومهم ويقظتهم، اما اذا سقط شهيد ثم سكت الآخرون فان هذا يعني أنهم اشتركوا في جريمة قتله، فان اماته الطاغوت مادياً، فان الامةستكون قد أماتته معنوياً .

    الثورة الحسينية ملهمة الشعراء :

    ان كل قطرة دم زكية من دماء الامام الحسين (ع) شكلت رافداً اثار احاسيس الشعراء، بل ان هذه القطرة صنعت الشعراء، فالانسان الذي يحمل قضية واحساساً هو الانسان الذي يريد ان يعبر عنها بصدق، فيبحث عن وسيلة للتعبير ليجد وسيلة اللسان والشعر، وهي الوسيلة المناسبة للتعبير عن آهاتهم واحزانهم وآلامهم وقضيتهم الانسانية. وفي ارض كربلاء بدأ اسلوب التعبير عن الثورة بالشعر ابتداء من اراجيز الشهداء قبل استشهادهم، ثم بعض الابيات المنسوبة الى ابي عبد الله (ع) كقوله : شيعتي مهما شربتم عذب ماء فاذكروني اوسمعتم بشهيد او قتيل فاندبوني فانا السبط الذي من غير ذنب قتلوني ويجرد الخيل عمداً سحقوني فهذه الاشعار انطلقت من كربلاء نفسها يوم عاشوراء، وقد امتد هذا الشعر الى الكوفة على يد الكميت، وامتد الى خراسان على يد شاعر اهل البيت دعبل الخزاعي، واستمر مع الحمدانيين بأبي فراس الحمداني، والشعراء الآخرين من مثل الشريف الرضي، فكانت رسالة الشعر رافداً انطلق من كل قطرة من دم الشهيد المظلوم في كربلاء.

    رسالة الكلمة :

    وبالاضافة الى ذلك فان دماء الشهداء اجرت رافداً آخر للتعبير عن احداث القلق هو رافد الخطب اللاهبة، فقد كانت زينب الكبرى تقذف لهباً وحماً في وجه الطغاة ابتداء من كربلاء حيث خاطبت عمر بن سعد في يوم عاشوراء خطاباً مؤثراً حتى بكى وجرت دموعه على لحيته.

    وهذا هو ما حدث في الكوفة، فعندما القت زينب (ع) ذلك الخطاب أثارت به الجماهير، وكشفت عن واقعهم الفاسد بكل صراحة وبطولة ، وحينئذ أخذ بعضهم ينظر الى البعض الآخر، ولسان حالهم يقول : انحن الرجال أم ان هذه المرأة هي الرجل الحقيقي ؟، فمع أنها فقدت كل اعزتها وانها وحيدة فانها لا تتحدث عن ظلم الطغاة وانحرافهم فحسب بل وتكشف عن سكوت الجماهير، ومدى اشتراكهم في الجريمة لو استمروا في السكوت، وهذه هي الشجاعة، فهي ان يقول المصلح كل الحقيقة التي هي حقاً رسالة الكلمة التي تحولت الى رافد . ان الخطب لم تعد بعد كربلاء خطباً فارغة بل كانت الخطب والاحاديث تبدأ بذكر الامام الحسين (ع) وتنتهي به، وهكذا فقد تحولت كل قطرة من قطرات دمه (ع) الى رسالة للكلمة، وتحولت القطرات الأخرى الى روافد جرى احدها في عروق الثائرين عبر التاريخ، وآخر جرى في عروق العلماء والمفكرين وآخر جرى في شرايين الناس ورفعهم الى كل معاني الانسانية والتضحية والذي يعنينا هنا هو رافد الثقافة، فبعد ان يقوم الشهيد بدوره يبدأ الدور الاساسي وهو دور الكلمة والثقافة والاعلام.

    وهذا الدور هو في الواقع منعطف خطير للثورة، فان قام به الباقون انتصرت، والا فان مصيرها سيكون على كف متأرجح، والامام الحسين (ع) كان يخطط له منذ البدء باسلوب معين ولذلك اصطحب معه زينب وسائر اهل بيته (ع).

    ان الاسلام لا يريد للانسان ان يخضع قسراً لرسالة السماء، بل يريد ان يربطه بالرسالة، وينمي فيه الارادة والعزم والوعي لكي يصل الى مستوى الايمان بالرسالة والذين يستشهدون في طريق الحق لا يهدفون العلو الى الى السلطة ليفرضوا على الناس فكرة معينة، فالله لا يريد لعباده المؤمنين ان يتحولوا الى ارهابيين، بل لكي يفسحوا المجال واسعاً امام الثقافة والوعي ليلعبا دورهما في رفع الناس الى مستوى الايمان.

    وقد كان هذا هو هدف كربلاء، ومن الاهداف التي رسمها الله - تعالى - من فوق عرشه لهذه الارض، ولبطلها . الامام الحسين (ع)، فتح المجال امام الخطباء والكتاب والاعلام ليفهموا الناس الحقيقة، فعندما نسمع قول المعصوم (عليه السلام) : «كلنا سفن النجاة وسفينة الحسين اسرع كلنا باب النجاة وباب الحسين أوسع»، وعندما يقول النبي (ص) : «الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة »، فانّ هذا يعني ان الامام الحسين (ع) كان يريد ان يقود الناس المنحرفين الى الجنة عبر فتح المجال واسعاً امام هداية الناس .

    📚 إن الحسين مصباح هدى وسفينة نجاة.

    سماحة آية الله العظمى المرجع المجدد السيد محمد تقي المدرسي دام ظله