كربلاء مدرسة متكاملة
وهكذا فان كربلاء هي مدرسة متكاملة للناس بمختلف فئاتهم ، فالشباب بامكانهم أن يدرسوا عند على الأكبر والقاسم وسائر شباب هل البيت (ع) والشيوخ أيضاً اساتذتهم في كربلاء كحبيب بن مظاهر، ومسلم بن عوسجة وغيرهما من الذين ضحوا في سبيل الله، كما أن النساء بامكانهن الاستفادة من هذه المدرسة من خلال التتلمذ عند زينب الكبرى (ع)، وعند النساء الفاضلات الأخريات اللاتي اشتركن في ملحمة عاشوراء.
انها المدرسة خاصة، مدرسة كربلاء التي بامكان الجميع ان يتعلموا منها الامام الحسين (ع) كل صفة وكل مكرمة: فالوفاء عند أبي الفضل العباس، والشجاعة عند الأمام الحسين، والحنان والعطف عند زينب الكبرى التي كانت رقم شجاعتها وبطولتها تفيض على كربلاء شآبيب الحنان والحب والعطف فاذا بها النموذج الاسمى للانسانية الشجاعة، فزينب (ع) تعلم الامهات كيف يدفعن ابناءهن إلى ساحة المعركة، والمرأة الشابة كيف اتحرض زوجها على الجهاد.
وهكذا فأننا نتعلم من مدرسة كربلاء الصفات الانسانية الرفيعة المستوى .. ونتعلم منها الدروس العظيمة ..
وفي نفس الوقت فأننا كلما رأينا انحرافاً وضلالاً وفساداً عند جيش العدو أي عند شيعة آل أبي سفيان - عليهم اللعنة، تتفجر بغضاً وحنقاً عليهم، فاذا ما رأينا ما انتهى إليه هذا الجيش، وكيف ان الانسان اذا أعرض عن هدى الله وانحدر من قمة الانسانية سوف لا يلوي على شيء، وسوف يهبط الى الحضيض والدرك الأسفل، فان هذا يعطينا درساً بان الانسان إن لم يتمسك بهذه القمة فسوف تقلعة الرياح رياح الشهوات، ورياح الضغوط الاجتماعية، كما حدث الشمر بن ذي الجوشن.
كيف ينحدر الإنسان إلى الحضيض ؟ هذا الرجل يقول : هممت ان احز رأس الامام الحسين (ع)، فانحدرت الى المكان الذي صرع فيه، فوقع نظري على عينيه فهبته ، ووليت هارباً وقد سقط السيف من يدي، لا شك أن هذا الرجل شقي ولكنه عندما يرى عيني الإمام الحسين (ع) الذين تشبهان عيني رسول الله (ص) يتراجع عن فعلته .
فالحسين (ع) - كما جاء في بعض الاحاديث لم يكن ينام الليل، وكان دوماً مشغولاً بالعبادة والدموع تجري من عينيه الكريمتين، فكيف تسنى لشمربن ذي جوشن بعد ذلك أن يجلس على صدر الامام الحسين (ع)، ويحز رأسة الكريم ؟
إن هذا هو الحضيض الذي ينحدر اليه الانسان عندما يصد عن هدى الله . وينفلت عن التمسك والاعتصام بحبله تعالى...
ان بداية الانحراف بسيطة ولكن نهايته ستكون كنهاية عمر بن سعد الذي كان - حسب ما كان يدعي ابن فاتح العراق، وابن عم الامام الحسين (ع).
ويعرف ماذا يعني قتل هذا الامام، ولكنه مع ذلك النحدر في مسيره الهابط حتى اختار قتل للامام الحسين (ع).
ترى كيف يمكن للانسان ان يصل إلى هذا المستوى ؟ انه مستوى اسفل سافلين الذي يقول عنه تعالى: «لقد خلقنا الانسان في احسن تقويم، ثم رددناه اسفل سافلین»، فالانسان أما أن يكون في احسن تقويم، متمسكاً بهدى الله وحبله، متحدياً رياح الشهوات، وعواصف الضغوط، وإما ان تتراخي يده عن هذا الحبل، ولا يبالي، فيسقط وتهوي به الريح في مكان سحيق.
وهذا الدرس يوضح لنا أهمية التمسك الشديد بهدى الله، وهكذا كانت كربلاء، وكانت عاشوراء مدرسة في بعدين : بعد الخير، وبعد الشر.
الحر بطولة التحدي :
ولو توقفنا ساعات امام بطولة الحر بن يزيد الرياحي لما استطعنا ان نستوعبها، انه درس عظيم ان يتحدى الانسان واقعه، وكل ما حوله من ضغوط، ويختار الموت بشجاعة، وينتخب الجنة يوعي وايمان، كما فعل الحر. فكما كان عظيماً ما فعله بحيث تتبخر امامه جميع النظريات المادية، والحتميات الفاسدة، فأي حتمية كانت وراء توبة الحر، وبتأثير أي شيء غير مساره ؟ أمن اجل الاقتصاد، أم من أجل السياسة ؟ لا شيء، فالإرادة البشرية هي التي تتحدى كل الماديات، والخدمات، وهي التي تجلت عند الحر في كربلاء .
واذا كانت هناك بطولة حقيقية فهي هذه البطولة ، فالبطل الحق هو الذي يصرع نفسه في ساعات الشدة، وأشجع الناس من غلب هواء، ولا شك اننا نستطيع ان نصلح انفسنا ومجتمعنا اذا استلهمنا درس التوبة من الحر، فان لم تكن لدينا ارادة تعصمنا من الوقوع في المعاصي، فلتكن على الأقل لدينا الشجاعة التي تخرجنا مما وقعنا فيه، وهذا هو الدرس الذي نتعلمه من الحر بن يزيد الرياحي.
يأتي إلى الامام الحسين (ع) مطأطأ الرأس فيقول الحسين (ع) له : ياشيخ ارفع رأسك، من أنت ؟ فيقول : انا الحر، أنا الذي جعجعت بك الطريق يا اباعبد الله، لقد كنت اول خارج عليك، فأذن لي ان أكون أول شهيد بين يديك، فيسمح له الامام الحسين (ع) بذلك، فينزل إلى الميدان يقاتل الاعداء بعدما يعظهم فلا تنفعهم الموعظة شيئاً، وحينما يصرع ينادي الامام الحسين (ع)، فيأتيه الامام ويقول له : «ما اخطأت أمك اذ سمتك حراّ انت حر في الدنيا وسعيد في الآخرة ..
ويقول بعض المؤرخين انه في اللحظات الأخيرة في حياته عندما كان يلفظ آخر النفاسة فتح عينيه فرأى رأسه في حضن الامام الحسين (ع) فبتسم ابتسامة سلم الروح بعدها،فكم هي سعادة الانسان،وفلاحه، وكم يكون فرحه وشعوره بالفخر وهو يعلم انه قد أنهى فتنة الحياة، والنصر عليها، ونجح في الامتحان، ليرد على رب رحيم غفور كريم.
فلعينا -اذن- ان نستلهم من بطولات الامام الحسين (ع) ، ومن وفاء أبي الفضل، وإقدام على الأكبر، وشجاعة زينب وإيمان الصديقين من انصار الامام الحسين (ع)، دروساً تكون فخراً لنا في الدنيا المحاربة الطغاة، ومقاومة الفساد ، وزاداً في الآخرة ينفعنا عندما لا ينفع مال ولا بنون الا من أتى الله يقلب سليم.
📚 إن الحسين مصباح هدى وسفينة نجاة.
سماحة آية الله العظمى المرجع المجدد السيد محمد تقي المدرسي دام ظلة.
