photo_2026-06-18_19-01-45.jpg

    محرم مدرسة التطهير والتزكية:

    22 يونيو 2026

    محرم مدرسة التطهير والتزكية:

    وهكذا فإن قضية عاشوراء تفرض نفسها على الإنسان، ولا ريب أن كثيراً من الناس يدخلون في هذا الشهر الحرام مثقلين بالذنوب والأمراض القلبية والعلاقات الاجتماعية، ثم يخرجون منه وقد طهرت قلوبهم، وزكت نفوسهم، وغفرت ذنوبهم، وأصبحوا أكثر حباً لإخوانهم، وأقدر على التعاون والعمل، وأبعد ما يكونون عن الكسل. والمحروم من لم يستفد من هذه المناسبة الفضيلة، والذي دخل هذا الشهر ثم خرج بلا تغيّر، والمحروم هو الذي لا يمنح قلبه لذكرى الحسين (ع) فيبقى قاسياً، ولكن جدراناً لذلك من حديد، فيجعل بينه وبين الظاهرة التاريخية جداراً ضخماً وحصناً قوياً.

    حتى الأعداء بكوا على مأساة الحسين:

    إن مأساة الحسين (ع) أبكت حتى أعداءه، وقد روي أن حرملة الذي قتل الطفل الرضيع قد بكى أيضاً! فعندما جيء به إلى المختار الثقفي سأله المختار قائلاً: أما رقَّ قلبك للحسين وأطفاله ونسائه؟

    فقال حرملة: بلى، رقَّ قلبي عندما رأيت الطفل الرضيع ينفجر عنقه دماً، ثم التفت إلى أبيه وتبسم في وجهه، في تلك الساعة رقَّ قلبي لمنظر الحسين (ع) ولنظر الطفل الرضيع وهو يُذبح على يديه!!

    وهكذا فقد أبكى الحسين (ع) أعداءه بمأساته، فإن كنت لا تبكي، ولا تستفيد من هذه المأساة عبرةً وخشوعاً في القلب ومعالجةً لقسوته، فلابد أن تنعى الإنسانية في نفسك، وإلى هذا يشير تعالى في قوله: ﴿فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله﴾، ذلك لأن قسوة القلب هي أشد أنواع الشقاء عند الإنسان، فعندما يكون قلب الإنسان قاسياً مملوءاً بالقسوة فإنه سوف لا يتأثر بأي شيء يزيل هذه القسوة، ومن هنا فإن هناك بعض الإرشادات التي لو اتبعت فإن حكمة هذه الذكرى العظيمة سوف لن تكون بعيدة عنا إن شاء الله تعالى.

    كيف نعيش ذكرى الحسين (ع) دوماً ؟ 1 - حاول ان تعيش المأساة في شهر محرم الحرام بكل ابعادها وكأنك تعيشها .

    2 - عليك ان توحي لنفسك باستمرار ان الحسين (ع) واصحابه واهل بيته كانوا بشراً مثلنا ولكنهم رغم ذلك ارتفعوا الى هذا المستوى من الشجاعة والتضحية والفداء ، فلقد استشهد جميع اعزة الحسين (ع) امام ناظريه الا انه كان كما يقول الراوي : فو الله ما رأيت مفجوعاً قط كالحسين كلما اصيب بمصيبة ازداد عزماً وقوة، وهذه هي الشجاعة الحقيقية التي هي ان تقتحم الموت خطوة فخطوة بكل ايمان وعزم دون ان تتردد لحظة واحدة . وقد كان الحسين (ع) الى آخر لحظة من لحظات حياته شديد العزم حتى وهو واقع على تراب كربلاء يعالج الموت في اللحظات الاخيرة، فلنتعلم الشجاعة منه (ع)، فمن العار علينا ان لا نكون شجعان ونحن ندعي السير على در به، وانتهاج نهجه .

    فلنسأل انفسنا : لماذا كان الحسين (ع) شجاعاً ، بل لماذا كان القاسم بن الحسن بتلك الدرجة الرفيعة من البطولة التي دفعته الى ان يقول : «الموت في نصرتك ياعم احلى من العسل» ؟وهكذا الحال بالنسبة الى الآخرين من اهل البيت ، فما الذي جعل علياً الأكبر شجاعاً، وما الذي جعل العباس وفياً، وما الذي دفع زينب الى ان تكون صبورة ؟ فلنسأل أنفسنا : كيف نسير في دربهم حتى نصل الى هذه النتيجة ، كيف نرتي هذه الشجاعة والايمان والوفاء في انفسنا ؟ كيف نتصل بنور الله سبحانه وتعالى - حتى نصبح مثل الحسين واصحابه واهل بيته .

    3 - علينا ان نتعرف على فلسفة الحسين (ع)، أي الفكر الذي يلخص كل هذه المأساة، ان فلسفته (ع) تتمثل في انه تنازل عن ذاته من اجل هدفه حتى اصبح المثال الأكمل في هذا المجال، ونحن ايضاً يجب ان لا نفكر في انفسنا ، فهناك الكثير من الناس يجعلون انفسهم جزء من قضيتهم، فيسيرون بذلك على معادلة خاطئة ويتشدقون واهمين انهم هم الذين يطبقون الحكومة الاسلامية، وأنهم هم الذين يجسدون تطلعات الامة، وبذلك يتحول هدفهم من هدف مجرد عن الذات الى هدف ممزوج بها ، فيبتعدون عن تعريض انفسهم للمهالك لانهم - حسب زعمهم - اذا قاموا على سبيل المثال بعملية عسكرية انتحارية فان الامة ستفقد الذي يطبق حكم الله في الارض، وتخسر الذي ينصح الناس ويعظهم ، وهكذا تراهم دوماً وابداً يبعدون انفسهم عن الجهاد، و يعتبرون المحافظة على انفسهم اهم من المحافظة على الدين ! ومن هنا فان الامام الحسين (ع) هو بطل هذه المعادلة ، فلقد عرف كيف يقول (لا) لنفسه، أو لم يكن هو القائل : ان كان دين محمد لم يسقم الا بقتلي فيا سيوف خذيني ، فعندما عرف (ع) ان شهادته هي الطريق الى تطبيق حكم الله لم يطرح نفسه رغم انه امام الامة بنص رسول الله (ص) و باجماع الامة : «الحسن والحسين امامان قاما أو قعدا» ، فمع انه (ع) كان يعلم انه الامام الحقيقي للامة، ولكنك تراه يندفع الى التضحية بنفسه ، وبما يملك من اجل الدين ، ذلك لان الدين اهم من الانسان وان كان هذا الانسان متمثلاً في الحسين (ع) ، فكيف بي وبك ؟ لقد اوذي الانبياء في سبيل الدين، فمن هو الاشرف ؛ نحن ام الانبياء ؟ فان كانت ادعاءات أولئك صحيحة كان الأولى بالأئمة (ع) ان يطلقوها قبلنا ،فانه ليس من العدل في شيء أن تكون حياة الأئمة (ع)هي التنقل بين الزنزانات والسجون والمعتقلات والمهاجر لتنتهي حياتهم دائماً بالشهادة بين قتيل وبين من دس اليه السم.

    انتصار الدم على السيف :

    لقد عبر الامام الحسين (ع) بدمه وبشكل مأساوي عن الحقيقة التي ذكرها الله - تعالى في كتابه الكريم قائلاً: «فدعا ربه اني مغلوب فانتصر» ، ولذلك قال البعض : انني تعلمت من الحسين كيف اكون مظلوماً فانتصر ، وقد عبر عن هذا المعنى الامام الخميني الراحل (رض) في قولته المشهورة : «وفي عاشوراء انتصر الدم على السيف» . وهكذا فان علينا في كثير من الاحيان ان نتجرد عن ذاتنا ، وان نواجه رصاص العدو بصدورنا العارية فليس من المعقول ان يحتفظ الواحد منا بنفسه واهله واولاده وماله بحجة انه يمثل الدين كلاً ، فالانسان لا يكون متديناً الا عندما يتجرد عن ذاته، ولو ان الحركات الاسلامية، والعاملين في الساحة الاسلامية كحركات أو كأشخاص استفادوا من هذا الدرس لما ظهرت الاختلافات بينهم، ولتجردوا عن ذواتهم، ولما فكروا في مهادنة الانظمة الفاسدة، ولواجهوا المصاعب بشجاعة حسينية.

    وهكذا فان المأساة ينبغي ان تفتح الطرق الى قلبك ، اما اذا بررت الامور بطريقة ما ، وقلت ان الحسين كان اماماً وانا لست اماماً ، وأنه عاش في زمان غير زماني وما شاكل ذلك من التبريرات الواهية فانك ستحرم نفسك من دروس وعبر هذه المأساة التأريخية .

    📚 إن الحسين مصباح هدى وسفينة نجاة.

    سماحة آية الله العظمى المرجع المجدد السيد محمد تقي المدرسي دام ظله