هكذا ورث الامام الحسين (ع) كليم الله
لا شك في ان نهضة الامام الحسين (ع) هي امتداد الرسالات الانبياء، ففي كل فصل من فصول كربلاء درس وعبرة استلهما من تأريخ الرسل والانبياء والمصلحين.
وما أشبه نهضة سيد الشهداء (ع) برسالة موسى (ع) من عدة وجوه ونواح هي :
الوجه الأول : الانقسام والفروق الطبقية
ان رسالة موسى (ع) كانت قد نزلت على قوم انقسموا على انفسهم فريقين :
الفريق الاول هو فريق المستكبرين الذين يسعون في الارض فساداً، والفريق الثاني هو فريق المستضعفين الذين يقاومون هذا الفساد بقيادة الرسول وحسب منهج سماوي. وهكذا كانت ثورة الامام الحسين (ع) تعبيراً حقيقياً عن ضمير الجماهير المستضعفة التي حاول الفريق المستكبر الحاكم المتمثل في بني امية ان يسلبهم حريتهم وكرامتهم ودينهم .
وعلى الرغم من ان هناك رسالات سماوية تختلف بعض الشيء عن ثورة الامام الحسين (ع) حيث تقف الاغلبية المضللة من الناس في مواجهة الرسالةالتي جاءت لانقاذهم، ويتدخل عامل الغيب في انقاذ الاقلية المؤمنة من براثن الاكثرية الضالة المضللة ، لتنتهي حضارة هذه الاكثرية بصورة غيبية ، الا أن الخط العام للنهضة الحسينية كان اكثر شبهاً بالخطوط العامة لثورة المستضعفين في عهد موسى (ع) ، وقيادته الرشيدة ضد فرعون وملئه .
وعندما نقرأ القرآن الكريم بتدبر نجد ان قصة موسى (ع) قد ذكرت حوالي سبعين مرة، في حين ان القصص الاخرى لم تتكرر الا قليلاً ، وربما يعود السبب في ذلك الى امرين :
1 - ذلك الذي عبر عنه النبي (ص) في قوله : «التحذون حذو بني اسرائيل حذو النعل بالنعل، والقذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه» .
٢ - ان تفاصيل حياة الامة الاسلامية تشبه تفاصيل حياة بني اسرائيل من عدة وجوه هي :
أ - ان هذه الامة فضلت على العالمين بأمر الله - سبحانه وتعالى في بداية نشوئها وانطلاقها كما فضلت امة بني اسرائيل.
ب ـ ان امة بني اسرائيل التي فضلت باذن الله على العالمين دب اليها الانحراف فانحرفت، فعبدت مرة العجل، وثانية طالبت بصنم، واخرى باختيار الادنى على الافضل، وهكذا دبت اليها الانحرافات كما دبت في الامة الاسلامية.
الوجه الثاني : القلوب مع القائد والسيوف عليه
ان الضمير الجماهيري كان مع الامام الحسين (ع) ، فقد التقى (ع) في مسيره الى كربلاء بالشاعر الكبير الفرزدق، فسأله عن الناس في الكوفة فقال : يا أبا عبد الله ، قلوبهم معك وسيوفهم عليك ، وهكذا ان القلوب التي لم تستطعان تعبر عن ذاتها بحمل السيف والارادات الضعيفة التي استسلمت للواقع الفاسد كانت كلها في جانب ثورته المقدسة، ومن هنا تشابهت انتفاضة الامام الحسين (ع) في وجه يزيد مع انتفاضة النبي موسى (ع) في وجه فرعون.
ونحن نجد في سورة الشعراء التي توفرت - كما يبدو على بيان حركة الانبياء، والوضع الاجتماعي الفاسد الذي سعت هذه الحركة من اجل اصلاحه ، آيات عديدة حول قصة موسى (ع) كقوله - تعالى - : واذ نادى ربك موسى ان انت القوم الظالمين قوم فرعون ألا يتقون قال رب اني اخاف ان يكذبون . ويضيق صدري ولا ينطلق لساني فارسل الى هارون ولهم علي ذنب فأخاف ان يقتلون قال كلا فاذهبا بآياتنا أنا معكم مستمعون» .
ففي هذه الآيات نجد التأكيد على دور القائد وضرورة صموده وشجاعته ، وارتفاع مستواه من جميع النواحي، وتفوقه على ضعف نفسه ، فالنبي موسى (ع) يجيب ربه قائلاً : «انّي اخاف أن يكذبون، فقد كان يخاف ان يطيق صدره بتكذيبهم، ولا ينطلق لسانه وبالتالي لا يفقهوا قوله ، فيخشى ان يحملوا عليه و يقتلوه ، واذا بالجواب من الله - تعالى - يأتي بكلمة واحدة : «قال كلاً فاذهبا بآياتنا أنا معكم مستمعون».
وهكذا فان من يحمل رسالة السماء، ويضع على عاتقه مهمة الدفاع عن المحرومين والمستضعفين عليه ان يكون فوق تلك المعضلات، وان يتكل على الله تعالى ، و يسير وفق هداه ، ولا يدع للخوف سبيلاً إلى نفسه .
والامام الحسين (ع) يرسم خريطة نهضته وحركته منذ البدء قائلاً : « خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة، وما أولهني الى اسلافي اشتياق يعقوب الى يوسف، كأني بأوصالي تقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء».
لقد كانت الاخبار تتواتر في مكة المكرمة آنذاك بسقوط الكوفة في يد الحركة الاسلامية، علماً أن الكوفة كانت عاصمة اسلامية معروفة ، أو على الاقل احدى الحواضر الثلاث التي كانت تؤثر على مصير السياسة الاسلامية في العالم الاسلامي آنذاك بالاضافة الى البصرة والشام، ومع ذلك نجد الامام الحسين (ع) يوحي الى الجماهير الملتفة حوله في ظلال بيت الله الحرام ان مصيره الموت ، وأنه سيستمر في هذا الطريق حتى اذا كان ينتهي به الى الموت هو واولاده ونساؤه الى السبي.
و يعتبر الامام الحسين (ع) عن الموت بأنه النهاية المفضلة والسعيدة للانسان الذي يعيش الذل والهوان ، ولذلك يعبر عن مدى اشتياقه الى الموت بقوله : « وما أولهني الى اسلافي».
الوجه الثالث : القيادة الشجاعة
ولقد استطاع جيش الارهاب القضاء على هذه الحركة ، ولكنها لم تلبث ان تجددت لوجود المد الجماهيري متجسدة في ثورة المختار وهكذا الحال بالنسبة الى الثورات الأخرى الى درجة ان بني العباس قد ظهروا على اعدائهم من بني امية، وحكموا البلاد باسم الامام الحسين (ع) ، فكان شعارهم السواد لانهم كانوا يدعون الدفاع عن الحسين (ع)، ومثل هذا الادعاء كان يلهب حماس الجماهير بشكل غريب ، و يثير فيهم عواطف الثورة ، و يشحن ضمائرهم بالارادة والعزيمة .
لقد حدث كل ذلك لان ابا عبدالله الحسين (ع) قد اكسب الثورة شرعية ، فلم تكن الثورات تكتسب الطابع الشرعي الا اذا كانت باسمه (ع) .
وقد وقف المؤرخون موقف التعجب ازاء احدى الظواهر التأريخية وهي ظاهرة تحول البصرة التي كانت منذ عهد الامام علي (ع) قد وقفت موقفاً مضاداً من الثورة ، الى موقف تأييد هذه الثورة ، فعندما اعلن ذو النفس الزكية (محمد بن عبد الله ) ثورته ، تحولت البصرة بين عشية وضحاها من مدينة مضادة للثورة ، ومن قلعة محصنة للانظمة الفاسدة الى قلعة من قلاع الثورة ، فحاربت من اجل الثورة الى درجة ان كثيراً من العلماء والأئمة المعروفين آنذاك في البصرة افتوا ان البيعة التي بايعها الناس مكرهين يمكن ابطالها، فبطلت البيعة ، وبايع الناس محمداً على انه الخليفة الشرعي ، وحاربوا تحت لواء اخيه ابراهيم، ترى لماذا حدث ذلك ؟ الجواب : لان الثورة قد اكتسبت شرعية جماهيرية، فالجماهير اعتادت على الانطلاق، وكما كانت في عهد الرسول (ص) تلتف حول راية الجهاد اصبحت وبفضل حركة الامام الحسين (ع) تلتف حول راية الثورة .
انها لآية الدم والبطولة ان يصبح الانسان مظلوماً فيقتل، فيثير حماس الناس ، ويشحن في عزائمهم ارادة التحدي .
ان الامام الحسين (ع) لم يتركها ستراتيجية حربية الا واستخدمها في كربلاء الا الطرق اللاانسانية الهابطة ، فلم يمنع الماء عن العدو لان هذا المنع هو اسلوب سافل ومنحط لا يستعمل لاثبات حق وتأكيد مظلومية ، فالانسان اذا اراد ان يموت فليمت بشجاعة وشرف.
وقد اعلنت زينب الكبرى (ع) في الكوفة متحدية شماتة ابن زياد ان اخاها قد استشهد في كربلاء، ولكن بعد أن أدخل في كل بيت من بيوت الكوفة العزاء، وهذا هو الحق، فالامام الحسين (ع) واصحابه قد أخذوا بثأرهم من اعدائهم . وهكذا الحال بالنسبة الى جميع المجاهدين عبر التأريخ والذين كانوا يطلبون الموت، لأن الشهادة شرف، والموت في سبيل الله حياة ، فلم يكونوا يريدون الموت على فراشهم، ولا في قعر السجون او صبراً على يد اصحاب السلطات الفاسدة، بل اختاروا الطريق الامثل ، فكانوا يدخلون ساحة المعركة بشجاعة فيقتلون حتى يقتلوا وتسيل دماؤهم ، وهذا هو الدم الذي ينتصر على السيف، والذي يستمد ينبوعه من دم ابي الاحرار (ع)، هذا الرجل العظيم الذي سن بحركته الجبارة العملاقة الثورة ضد الظلم والطغيان على مر التاريخ .
📚 إن الحسين مصباح هدى وسفينة نجاة.
سماحة آية الله العظمى المرجع المجدد السيد محمد تقي المدرسي دام ظله
