واقعة الطف جسدت سنن الله
ان حادثة عاشوراء تمثل سنن الله - تعالى - في الكون، فلله سنن في الكون لا تتغير فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا ؛ فالشمس لابد ان تطلع من المشرق، وتغرب في المغرب، وهكذا الحال بالنسبة الى سنن الله في المجتمع والتاريخ والاقتصاد والسياسة فهذه السنن لا ولن تتغير. وقد جسدت حادثة الطق هذه السنن، ولذلك فان الزمن كلما مر استوحينا من قصة أبي عبد الله الحسين (ع) بصيرة ورؤية نفهم من خلالهما الظواهر الأخرى ، فكل يوم عاشوراء وكل ارض كربلاء.
ومن محاسن المجالس الحسينية تربيتها للشباب والبراعم حتى وان لم يفهموا كل ما يدور فيها، ولكن تواجدهم في هذه المجالس، واشتراكهم في احياء الشعائر الحسينية هو بحد ذاته عمل مفيد، لأنهم يتربون على هذه الشعائر حتى يستلموها منا ليسلموها الى الجيل الذي يأتي من بعدهم .
ومن الظريف ان نتذكر هنا ان المجالس الحسينية تستهوي حتى الاطفال ، ذلك لان هؤلاء البراعم كانوا يشكلون جزء من برنامج الامام الحسين (ع)، فلقد حمل الاطفال الى كربلاء، فالامام الباقر (ع) كان طفلاً صغيراً عندما وقعت حادثة الطف، ويمكننا القول ان سبعين طفلاً شهدوا واقعة كربلاء ، ولذلك فقد نقلوا هذه الواقعة إلى الاجيال التالية . وهنا أعود لاقول ان الطفل الذي يدرج في مجالس أبي عبد الله ، وينمو تحت ظلها ، مثل هذا الطفل عليه ان يمتلك الرؤية الواضحة في المستقبل، وان لا يسأل : ماذا تفعل عندما يغزو العدو بلادنا ؟ لأن الاجابة واضحة، فعلينا ان نسأل انفسنا : ماذا كنا نقول خلال الفترة الماضية، وماذا كنا نسمع من الحسين خلال المجالس ؟ ، ان الحيرة والتردد مرفوضان للاسباب التالية :
1 - نحن كنا نعتقد وما نزال ان الحسين (ع) هو امامنا، به نقتدي ، ونستضيء بنوره ، ونتبع سيرته ، ونتخذه قدوة لنا .
٢ - نحن نردد في المجالس الحسينية قائلين : يا ابا عبد الله ليتنا كنا معك ؛ أي اننا نتمنى ان تقع حادثة مثل حادثة كربلاء لنجسد فيها الروح الحسينية، والولاء الحسيني...
۳ - نحن نسمع دائماً كلمات الامام الحسين (ع) في رفض الظلم والطغيان كقوله : «الا وان الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين ؛ بين السلة والذلة وهيهات منا الذلة»، صحيح ان المقصود بالدعي هنا هو زياد بن ابيه، ولكن القول هذا يشمل أيضاً كل انسان ليس له أب معلوم، أي كل لقيط ، وكل مجرم ظالم ...
كربلاء دروس خالدة :
وهكذا فان دروس كربلاء مازالت دروساً حياتية بالنسبة الينا، فلو استوعبنا هذه الدروس لانقذنا بذلك حياتنا وبلداننا، فالتأريخ الطويل العريض قد يدور كله على قرار وارادة انسان واحد ؛ اي ان هذا الانسان وفي لحظة تاريخية حاسمة قد يصدر قراراً حاسماً ليغير مسيرة التأريخ. ولغرض ايضاح هذا الموضوع اضرب مثلاً من ثورة الامام الحسين (ع) ؛ في ذلك اليوم الذي كان فيه مسلم بن عقيل في بيت هاني بن عروة واتفق ان ابن زياد جاء يزور هاني ، ألم يكن هناك شيعي واحد تستيقظ عنده الغيرة ليهجم على ابن زياد ويريح العالم منه ؟ ، يقولون ان مسلماً هو الذي كان مكلفاً بقتله، ولماذا مسلم ؟ ولماذا لا تقومون انتم بدوركم ؟ وبناء على ذلك فان الدروس ماتزال ذات الدروس ، وقضية كربلاء لا يمكن ان تنتهي لأن دروسها لا تنتهي ، ونحن محتاجون الى هذه الدروس نفسها مع مرور الزمن ؛ نحتاج إلى الشهامة والشجاعة والايثار والتضحية، ونحتاج الى الحكمة في العمل والتخطيط .
ان علينا جميعاً ان نتحمل المسؤولية او جزء منها على الاقل. فنحن لم نوضح للناس من هو الامام الحسين (ع)، وماذا فعل، وما هي علاقتنا به ، وكيف تأخذ الدروس والعبر من واقعته ؟ ، البعض يتكلم عن الامام الحسين (ع) وكأنه يتكلم عن قضية تاريخية بحتة ، أو قضية غيبية بحتة ! إن الحسين مصباح هدى وسفينة نجاة أي اذا أظلمت عليك الدنيا، ولم تعرف ماذا يجب ان تفعل، ولا تعرف كيف تقضي على الطاغية الفلاني، وكيف تستطيع ان تحرر بلدك من رجز الاحتلال ، فعليك ان تستلهم الموقف من قضية الامام الحسين (ع)، فيجب علينا ان نبين للناس دروس كربلاء، وأن نتناولها كقضية تاريخية وكقضية غيبية معاً مضيفين إليهما قضية أخرى هي القضية الحياتية ؛ أي ان نستلهم منها دروساً يومية لحياتنا ، فاذا ما واجهت لوحدك موجة من الاعداء فلا تخف بل توكل على الله ، واكتب وصيتك وتقدم لأنك بهذا العمل ستضمن حياة الامة ، فالانسان عندما يقتبس من نور الحسين (ع)، وتجري في عروقه قطرة من دم أبي عبد الله واصحابه فانه لا يمكن ان يكون ذلك الانسان المتخاذل الجبان، بل يصبح رجلاً متميزاً ومتفوقاً، وسيكون بامكانه تحرير بلده، رغم المعادلات الدولية التي تبقى فوقية بل انها قد تهيء الفرص والظروف لصالحنا.
📚 إن الحسين مصباح هدى وسفينة نجاة.
سماحة آية الله العظمى المرجع المجدد السيد محمد تقي المدرسي دام ظله
