الامام الحسين (ع) مجمع الكرامات والفضائل
ترى لم هذا الاختيار الالهي ؟ ربما كان هناك من سبق الحسين (ع) من الانبياء في الشهادة وتلت قافلته مئات القوافل من المؤمنين الشهداء على طريقه ، لكن شهادة الحسين (ع) تتجلى بنور خاص بها ، انها وسام رباني قل من نال شرفه . ولعل اقدس المكرمات التي أعطيها الحسين (ع) ان جعل الله - سبحانه - منه استمرار ذرية الهداية والعصمة الطاهرة، ومنه (ع) ايضاً ينحدر أصل الامام الحجة القائم المهدي (عجل الله فرجه الشريف) الذي يملأ الله به الارض قسطاً وعدلاً بعد ما ملئت ظلماً وجوراً ، فهذه هي اعلى المكرمات بعد الشهادة. ثم ان من تلك الكرامات ايضاً أن جعل - سبحانه - في تربته الشفاء من الآلام والاسقام ؛ ولعلنا كلنا قد لمسنا وجربنا هذه الحقيقة ، فالكثير منا يروي خلاصه من اخطار جمة لأنه كان يحمل معه حبات من تلك التربة الطاهرة التي امتزجت بقطرات دم سيد الشهداء ودم أصحابه الاوفياء.
وأنا هنا لا أريد ان ازج نفسي والقارىء في مخاض غيبي، ذلك لأن للغيب مقدماته واصوله وحديثه المسهب ، ثم ان كل امرىء ليس قادراً على استيعاب وتحمل معاني الغيب وآفاقه الواسعة الا ذلك الذي رزق الحكمة، وأوتي البصيرة والتدبر والوعي، ولكني اريد البحث هنا في المعاني البسيطة الظاهرة للاذهان والمستلهمة من الظاهرة التاريخية.
و بعد ان انتهت فصول تلك الملحمة العظيمة في التاريخ البشري باستشهاد الحسين (ع) وصحبه الاوفياء، هم نجل الحسين الشهيد الامام زين العابدين (ع) بحمل جثمان ابيه سيد الشهداء فوجد على ظهره آثار جرح ليس كبقية الجراح، فقد كان يبدو عليه القدم ، فقال الامام (ع) : حاشاء الله أن يكون والدي قد جرح من ظهره ، وقد صدق زين العابدين (ع) فالحسين ما ولى ولم يول ظهراً لعدو طلبه حتى يصاب في ظهره، فهذا هو شأن الأئمة (ع) لان معنى الانهزام وتوليه الادبار لم يك يوجد في قاموس شجاعتهم وفروسيتهم ، فمن اين مصدر الجرح هذا اذن ؟ ، أنه وكما تقول الروايات آثار ذلك الجراب (الكيس) الذي كان يحمله في تلك الليالي المظلمة ، فقد كان (ع) يحمل على ظهره تلك الجراب الملأى بالمساعدات فيؤدي خدمة للعباد ابتغاء مرضاة الله ، فهذه الخدمات التي قد يستنكف بعضنا عن ادائها قد اداها ائمتنا المعصومون (ع) ومنهم الامام الحسين.
ان هذه الاعمال الصالحة، والخدمات الاسلامية العظيمة لا تضيع عند الله - سبحانه ، وحاشا له ذلك، أنها لا بد ان تتحول في يوم من الايام الى خدمة كبيرة، ومنزلة عظيمة، ودرجات علوية في الآخرة كما هي في الدنيا ، فهذه هي مسيرة الكمال والرفعة درجة بعد درجة حتى بلوغ القمة.
ماذا نستلهم من شهادة الحسين (ع) ؟ فاذا كانت الشهادات اوسمة رفيعة على صدور اصحابها يعلوها جميعاً وسام الحسين الاول ، ترى ما الذي نستفيده ونستلهمه ونستوحيه من معانيها ؟ ان من رام في حياته تحقيق اهداف سامية، وبلوغ نتائج عظيمة لا بد له من بذل الجهود، وترويض النفس على الايمان كي تتهيأ بذلك مقدمات بمستوى تلك الاهداف والنتائج السامية، فمن رام بلوغ القمم السامقة لابد ان تتحول في يوم من الايام الى خدمة كبيرة، ومنزلة عظيمة، ودرجات علوية في الآخرة كما هي في الدنيا ، فهذه هي مسيرة الكمال والرفعة درجة بعد درجة حتى بلوغ القمة.
ماذا نستلهم من شهادة الحسين (ع) ؟ فاذا كانت الشهادات اوسمة رفيعة على صدور اصحابها يعلوها جميعاً وسام الحسين الاول ، ترى ما الذي نستفيده ونستلهمه ونستوحيه من معانيها ؟ ان من رام في حياته تحقيق اهداف سامية، وبلوغ نتائج عظيمة لا بد له من بذل الجهود، وترويض النفس على الايمان كي تتهيأ بذلك مقدمات بمستوى تلك الاهداف والنتائج السامية، فمن رام بلوغ القمم السامقة لابد ان يوجد في نفسه العزيمة والحيوية الكافيتين، وبدون ذلك لا يمكن تحقيق النتائج العظمي.
والذي اريد تأكيده هنا فيما يتعلق بنا نحن المسلمين في جميع انحاء العالم الاسلامي هو أنا لا ينبغي أن نركز ونؤكد فقط على تلك اللحظات الاخيرة من حياة سيد الشهداء (ع)، فعلينا اليوم ان نفهم وندرك معاني حركة الحسين (ع) وحياته واهدافه ، ونعي معها تلك البصائر التي وضع ورسم خطوطها ابو عبد الله الحسين (ع) بدعائه وجهاده ورسالته الثورية ، فلا بد لنا من التركيز على هذه البصائر وامتداداتها وابعادها الواسعة، فنحن حينما نسأل الله وندعوه ان يرزقنا حسن العاقبة، ويوفقنا الى عاقبة كعاقبة الحسين (ع) فعلينا ان نهتم بالبداية الحسنة، والبادرة الطيبة، وألا فان الهدف ليس سهل المنال كما قد يتصور احياناً .
تربية الجيل الحسيني :
و بمعنى آخر اذا اردنا ان نبني مجتمعاً حسيني السمة والمنهج والمسيرة، و يتحدى الظلم، ويقارع الارهاب ، ويقاوم الاستبداد، ويقف متحدياً كل المؤامرات والدسائس الاستعمارية فليس لنا طريق الى ذلك غير ان ننشيء وتربي جيلاً حسينياً من كل جوانبه، متسلحاً بمبادىء الرسالة والثقافة الحسينية، ومستلهماً منها. فثقافة الحسين (ع) هي ثقافة القرآن أيضاً، وثقافة ابيه وجده عليهم السلام، وهي تجسيد حتي للثقافة التي تضمنها نهج الجهاد والرسالة والحياة. ونحن اليوم اذا وجدنا ان هناك في بلد ما نظاماً طاغوتياً متسلطاً ، فلنعلم ان من المحال ان يكون هذا البلد قرآنياً ، فلا بد ان تكون قد حدثت قطيعة بين شعب هذا البلد وبين القرآن الذي تراه مصفوفاً على الرفوف يرقد عليه الغبار والتراب ، وهذا الواقع المأساوي المرفوض ليس ببعيد عنا ، افلا يكفي ان يكون القرآن في متناول ايدينا واسماعنا ثم بعد ذلك كله تجد ثقافاتنا بعيدة كل البعد عن ثقافة القرآن ، أفلا عدنا من جديد الى الف باء الاسلام، والى تلاوة جزء عم وتبارك ؟ فالذي يقود حركة الشعوب ونهضتها نحو التحرر والاستقلال والكرامة هو البصائر والرؤى والثقافات التاريخية العريقة التي بنت امجاد الامم والتي لا نراها غير البصائر والثقافات القرآنية.
بعد هذا كله دعونا نعود الى البداية وننطلق منها ثانية ، هلموا بنا نرتئي وننشئ اجيالنا واطفالنا على تلك الرؤى والبصائر القرآنية المعطاء ؛ على نهج النبي الاكرم واهل بيته وما رسموه لنا من خطوط في العمل والمواقف والسياسات .
اذن لا بد لنا من ان ننهض نهضة قرآنية حسينية حقيقية تتجسد في واقع حياتنا المعاش، فعندما نتلو القرآن يجب ان نتلوه تلك التلاوة التي تحوله الى جزء من حياتنا وواقعنا ، فهذا هو كله ما يجب ان نتخذه محوراً في حياتنا كمسلمين حقيقيين، ومؤمنين رساليين، وبذلك تتحول مجتمعاتنا الى مجتمعات حسينية.
الثورة لا يمكن ان تحدث بالشعارات وحدها :
ان اولئك الذين يريدون ان تبرز الثورات إلى الوجود بمجموعة من الشعارات والتظاهرات، فان هؤلاء يتصفون بنوع من السذاجة السياسية وتجاهل الحقائق، وقد آثروا نوعاً من العودة الى حالة الراحة والاسترخاء، في حين ان الثورة هي مسيرة صعبة وعرة لان الذي يتصدى لمسؤوليتها ، وينطلق في ركابها انما يريد ان يحدث تغييراً وانقلاباً كبيرين. ان العالم الاسلامي يعيش اليوم صحوة اسلامية، وهو مستمر اليوم للقيام بالثورات، لكن هذا الاستعداد - كما يبدو لي يشبه الذي حدث في سنة (۱۹۲۰) من هذا القرن، فقد كانت هناك ايضاً صحوة اسلامية وربما على نطاق عالمي، لكن هذه الصحوة لا تبقى دائماً ولا تتوج بالانتصار في جميع الحالات. فلا بد - اذن ان يكتف علماء ومفكرو الامة الاسلامية من جهودهم ، ولا بد ان يخططوا بكل ثقة وجدية واخلاص ، ويحشدوا طاقاتهم الفكرية في صياغة وبناء استراتيجيات ثقافية ثابتة لهذه الامة اما اذا كانت المسيرة كلاسيكية منسجمة مع واقع تأريخ الامس فاننا لن نجني الا ما جنوا ، اي ان الواقع السلبي سيتكرر بطريقة أو بأخرى. علينا - اذن ان نطوي ذلك الماضي، ونبدأ من جديد نهضة وانطلاقة جديدة من هذا المضمار، فها هي البصائر الالهية التي يجب أن تترسخ في قلوبنا ، وتتكرس في نفوسنا وارواحنا ، وان ما يجري ويدور اليوم هنا وهناك من محاولات، وما يبذل من جهود لترقيع واللمة الساحة دون الالتفات الى ضرورة ايجاد محاور حقيقية تفجر الساحة، وتحولها الى ميدان حسيني، كل ذلك لا أراه الا تضييعاً للجهود والفرص، واعمالاً عابرة لا تجدي ، وهي إن اثمرت فان ثمارها لا تسمن ولا تغني من جوع.
اننا لا نستطيع ان تستجدي نصراً، أو نسترد حقوقاً من خلال اتكائنا على منظمات حقوق الانسان وغيرها .. وهل نتوقع خيراً وفرجاً يحققه لنا اولئك الذين فعلوا ما فعلوا بنا بالامس القريب، أولئك الذين قتلونا وعذبونا ، وابعدونا عن ديارنا واوطاننا، ومزقونا كل ممزق، ثم بعد ذلك كله نطلب العون ونستجدي المناصرة منهم ؟! أنها سذاجة ان تفعل ذلك، وأنها لتعاسة نحن نعيش فيها عندما غدونا نتشبت بهؤلاء الشراذم فتهرب منهم اليهم، ونعوذ من غضبهم برحمتهم ، وقد نسينا ان ربنا - تعالى - هو الأحق بالهرب منه اليه .
ان الموضوع المهم الذي اريد الاشارة اليه هنا ان الحق يؤخذ ولا يعطى ، وان أخذه لا يكون الا بالقوة، وبالدماء، وبتقديم قوافل الشهداء من ابنائنا وقادتنا ، فنحن لا ننال الحق الا بوعينا وتخطيطنا الهادف وستراتيجيتنا الحكيمة من خلال تفجير ثورة حقيقية. اذن فنحن بحاجة الى عودة لتلك الجذور والاصول الخيرة، كما ان المسيرة بحاجة الى جهود وطاقات لا تنضب ولا تكل من الحركة المستمرة، والعطاء المتواصل .
📚 إن الحسين مصباح هدى وسفينة نجاة.
سماحة آية الله العظمى المرجع المجدد السيد محمد تقي المدرسي دام ظله
