cd58bb0f56fc1949e1459916c27b6105.png

    الثورة ضد حالة الانهيار والتراجع

    07 يوليو 2026

    الثورة ضد حالة الانهيار والتراجع

    وهناك درس آخر تجب الاشارة اليه في سياق الحديث عن الثورة الحسينية ؛ فنحن عندما نقول ان الامام الحسين (ع) تحول الى ثورة فاننا نعني انه (ع) ثار ضد حالة الانهيار والتراجع التي بدأت تدب في الامة الاسلامية وخصوصاً في عصره وقبل الخوض في هذا الحديث لابد من الحديث عن الفتوحات الاسلامية التي أذهلت المراقبين عبر التاريخ لانها كانت سريعة ومفاجئة ، فلقد عبر المسلمون السهول والهضاب والجبال والبحار من كل جهة وفي كل الابعاد كما يتدفق الماء النازل من الجبل بدء بفتح اليرموك والحيرة في جانبي الجزيرة، وانتهاء بسقوط الامبراطورية الفارسية واقتطاع اجزاء كبيرة من الامبراطورية البيزنطية في آسيا وافريقيا .

    وفي عصر الامام الحسين (ع) كانت الفتوحات الاسلامية تتجه الى الهند، ومن الطبيعي ان الذي يقوم بهذه الفتوحات هو الجيش، فالقوات المسلحة هي التي تكتب اكثر الانتصارات للأمة، بيد ان هذه القوى قد تغتر بنفسها ، وتفتش عن دور لها في ادارة البلاد وسياسته، علماً ان القوة العسكرية اذا تسلطت في البلاد افسدتها لانها تريد ان تحكم فيها بمنطق حكمها ؛ أي منطق السيف والحروب والمعارك الدامية، وهكذا جرت الامور في الامة الاسلامية، وكل حضارة في العالم لابد ان تمر بهذا المنعطف الحساس، فالحضارة لا مناص لها من ان تدعم القوات المسلحة باعتبارها الدرع الواقي من الاعداء ، ولكنها ما أن تدعم هذه القوات حتى تتعرض لخطر داهم مدمر.

    ان هذه الآفة الحضارية عانت منها جميع الحضارات، فاذا كانت في الأمة بقية ارادة تتجلى في نهضة جمياهرية وقيادة رشيدة فان القوة العسكرية المتواجدة على الحدود لا يمكنها ان تنكفىء الى الداخل، وتحطم ما حققته في الخارج، والا فان هذه القوة التي حققت الانتصارات للأمة ستهدم كل ما بنته بيدها ، وقد أوضح الله - تعالى جانباً من هذه الحالة في قصة عاد حيث يقول : وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون . واذا بطشتم بطشتم جبارين . فاتقوا الله واطيعون . واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون . امدكم بانعام وبنين * وجنات وعيون * اني اخاف عليكم عذاب يوم عظيم » لقد أراد هود (ع) ان ينبه قومه الى ان هذه القوة التي يملكونها هي من الله - تعالى، وان اسخدامهم لهذه القوة في طريق البطش والارهاب والسعي الى الخلود سوف يضرهم ؛ اذ سوف يأخذهم الله بعذاب عظيم بسببها .

    ثورة على سلطة العسكر:

    ان ثورة الامام الحسين (ع) لم تكن بعيدة جداً عن هذا المضمون ، فهو (ع) لم يشأ ان يخضع للارهاب أو لسلطة القوة، ولم يرد ان يتدخل العسكر الذين فتحوا اطراف البلاد في الحكم، ومن خلال دراسة التأريخ نجد ان النظام الاسلامي - يغض النظر عمن كان يسود النظام كان منتبها الى هذا الخطر، فكان يعمد الى عزل كل قائد عسكري يحرز الانتصار لكي لا يفتتن الناس به .

    ومن أجل أن يعمل يزيد على تركيز سلطته فقد اعتمد على القادة العسكريين الذين فتحوا البلاد، فوزع عليهم الاراضي، وقد كان (عمر بن سعد من ضمنهم، فقد مناه يزيد بملك الري إن انتصر على الامام الحسين (ع) ، وهكذا فعل معاوية من قبل اذ بعث الى مصر عمرو ابن العاص الذي كان من قبل قائداً فاتحاً لمصر؛ أي انه حكم القيادة العسكرية على ارادة الجماهير، فكان يزيد امتداداً لمعاوية ، وابن زياد امتداداً لزياد ابن ابيه ، وعمر بن سعد امتداداً لابيه سعد بن ابي الوقاص الذي فتح العراق .

    وهناك نتيجة اخرى وهي ان الارستوقراطية الاجتماعية في النظام الأموي كانت تورث الرتب العسكرية ، فمن كان ابوه قائداً عسكرياً فانه يرثه من بعده ، وهذا هو اغرب نوع من الارث ، فلأن فلاناً هو ابن القائد الفلاني ينبغي ان يصبح قائداً هو الآخر ! ، وهو عمر بن سعد يرث عن ابيه قيادة الجيش المعد للفتح ، وها هو ابن زياد يهدد أهل الكوفة بجيش الشام، فقد قام قبل شهر واحد من واقعة كربلاء بانقلاب عسكري في الكوفة التي هدها بحاميات من الجيش الشامي للقضاء على ارادة الجماهير وهذا انقلاب عسكري بكل ما تحمل الكلمة من معنى. وقد حول هذا الانقلاب القوة العسكرية التي بنيت لفتح البلاد الأخرى الى قوة لقهر ارادة الجماهير، فقاوم الامام الحسين (ع) هذا التحول من اجل مصلحة الامة الاسلامية ، ومصلحة تأريخها ، وبالفعل فقد نجح في ذلك ، وأعاد القيادات العسكرية الى ثكناتها ، وهذا هو وجه من العلاقة بين نهضة الامام الحسين (ع) ونهضة الانبياء (ع) كهود وصالح اللذين قاوما الجبارين . ولقد كان اصحاب الامام الحسين (ع) يدركون عظمة حركتهم ، وانها امتداد الحركة الانبياء، وان بطش وغرور القوة العسكرية يجب ان يحطما في كربلاء، والدليل على معرفتهم هو بعض اقوال الامام الحسين (ع) واصحابه ، فقد جاء حنظلة بن سعد الشبامي فوقف بين يدي الامام الحسين (ع) يقيه من السهام والرماح والسيوف، ويتلقاها بوجهه ونحره ، ثم أخذ ينادي : «ياقوم اني أخاف عليكم مثل يوم الاحزاب مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم، وما الله يريد ظلماً للعباد ، يا قوم اني اخاف عليكم يوم التناد يوم تولون مدبرين مالكم من الله من عاصم ومن يضلل الله فماله من هاد ... يا قوم لا تقتلوا حسيناً فسيحكم الله بعذاب وقد خاب من افترى».

    وبعد فهكذا ينصحهم هذا الصحابي ويذكرهم بمصير الاقوام السابقة الذين كانوا يسيرون في نفس الخط ، وقد تكررت مثل هذه الكلمة من قبل الآخرين من اصحاب الامام الحسين (ع)، وعلى سبيل المثال فقد تقدم سعيد بن عبد الله الحنفي أمام الحسين (ع) فصار هدفاً لنبال الاعداء حتى سقط على الارض وهو يقول :«اللهم العنهم لعن عاد وثمود ، اللهم ابلغ نبيك (ص) عني السلام وابلغه مالقيته من الجراح فاني اردت بذلك نصرة ذرية نبيك » .

    النية الخالصة من اهم مقومات الثوار:

    وهناك ملاحظة اخيرة نذكرها كدرس اخير من دروس الثورة الحسينية وهي ان اصحاب الامام الحسين (ع) قاموا بنصرة امامهم لله وفي سبيل رضوانه تعالى لا حباً للجنة ، وابتغاء لدخولها ، فمن اجل القيام بأي عمل لابد ان ننوي ان يكون هذا العمل لله لكي يعطينا - تعالى - الأجر ويزكينا ، فالعمل في سبيل الله يجب ان تسبقه النية مثل سائر الاعمال، وهذه النية تلعب دوراً كبيراً في خلوص العمل الله - تعالى . وعلى هذا يجب ونحن نعمل في سبيل لله ان نؤكد لانفسنا ، ونوحي لها باستمرار بأهمية العمل، وأهمية ان ننوي لله - تعالى بعيداً عن الذات .

    ان من اهم الصفات التي بينها الامام الصادق (ع) في دعائه لعمه العباس (ع) في كربلاء انه كان على بصيرة من أمره ، ذلك لان وضوح العمل الذي نقوم به يعطي عملنا هذا قوة وصلابة واستقامة ، ونظرة الى اصحاب الامام الحسين (ع) تثبت لنا وضوح الرؤية لديهم ، فهذا نافع بن هلال ينشد قائلاً : انا الغلام التميمي البجلي ديني على دين حسين بن علي ان اقتل اليوم وهذا عملي وذاك رأي اولاقي عملي

    وهذا رجل آخر من اصحاب الامام الحسين (ع) وهو ( شوذب ) الذي يبدوانه كان من أصحاب البصائر، يأتي هذا الرجل الى الحسين (ع) و يقول له :« يا أبا عبد الله أما والله ما من احد على وجه الأرض قريب أو بعيد اعز علي، واحب منك، ولو قدرت على ان ادفع عنك القتل او الضيم بشيء اعز علي من نفسي ودمي لفعلت » ، ثم قال بعد ذلك : « السلام عليك يا أبا عبد الله اشهد اني على هداك ، وعلى هدى ابيك » ، ثم مضى بالسيف نحو القوم وقاتل حتى قتل . وكان بعض اصحاب الامام الحسين (ع) لا ينتسبون في أراجيزهم الى انفسهم بل الى امامهم ، وكان البعض يؤكد على ان هدفه الجنة حيث رضوان الله - تعالى، والراحة الابدية، وهذا حنظلة بن سعد الشباهي ينزل ساحة الصراع وهو ينشد قائلاً : صبراً على الأسياف والأسنة صبراً عليها حتى دخول الجنة وحور عين ناعمات هن لمن يريد الفوز لا بالظنة يا نفس للراحة فاجهدن وفي جلاب الخير فارغبن لقد كان يعلم جيداً ان دخول الجنة ليس بالأماني بل يجب ان يصبر على السيوف والاسنة ليدخل الجنة .

    وبعد ؛ فما أعظمها من دروس تلك التي كتبها اصحاب الامام الحسين (ع) بدمائهم ، والمؤمنون الحقيقيون هم الذين يستوحون هذه الدروس من مدرسة كربلاء واصحاب الامام الحسين (ع) ، هذه المدرسة التي كانت مزدحمة بالتلاميذ عبر التأريخ ، من كل حدب وصوب ، ومن كل فئة ولون .

    والمهم في كل ذلك ان نسجل اسماءنا في هذه المدرسة منذ اللحظة ، أو نجدد تسجيلنا فيها ، ونسعى من اجل ان نصبح تلامذة ممتازين في هذه المدرسة ، وهذا هو أملنا من الله - سبحانه وتعالى ..

    📚 إن الحسين مصباح هدى وسفينة نجاة.

    سماحة آية الله العظمى المرجع المجدد السيد محمد تقي المدرسي دام ظله