امتحان الاختيار في ثورة الحسين (ع)
ليست بطويلة تلك المسافة الزمنية التي تفصل بين ولادتين مباركتين كان فيهما مجد امة «لا اله الا الله» وعزتها وحياتها الخالدة بخلود رسالتها الالهية وامتدادها ، انهما ولادتان لإنسان واحد جسد الكمال الذي تصبو اليه الانسانية، ذلك هو السبط الشهيد الحسين (ع) ، وتلكما الولادتان هما الولادة الحقيقية يوم خرج ابن رسول الله (ص) من رحم الرحمة المرضي، رحم الطهارة والنور، فأنار الدنيا ومن عليها باطلالته ، ثم الولادة المعنوية التي كتبت له الخلد في كل ضمير حتي ينشد الصلاح والخير.
انها القصيرة تلك المسافة اذا ما قورنت بذلك الدور التأريخي العظيم الذي ينبغي ان يؤدى في مثل هذا العمر الزمني، لقد ولد ابو عبد الله الحسين (ع) ، وفتح عينيه الشريفتين على نور الرسالة المباركة الذي ولد هو الآخر مع ولادته ، فشاء الله - تعالى ان يندمج نور الرسالة البهي بدم ولحم وروح هذا الوليد الطاهر، وان يجعل بقاءها وخلودها في عمق الزمان رهن هذا الدم الزكي، وتلك الروح الطاهرة التي تجسدت بولادته وحياته الابدية في يوم ذروة العطاء والتضحية ، يوم كربلاء والشهادة.
سر عظمة وشموخ الحسين (ع) : وهنا يتبادر الى اذهاننا السؤال المحوري التالي الذي يتضمن عدة تساؤلات : ما الذي جعل الحسين حسين الحق الشامخ الابي ؟ وما السر الذي جعل أئمة العصمة الهداة أئمة وقادة لنا نحن المسلمين ؟ ثم ما السر في وقوع الاختيار الالهي على هذه العصبة الطيبة من الرجال الافذاذ فأكرمهم بانوار الرسالة بأن جعل منهم أئمة بعد ان اختار من اصولهم الانبياء والرسل ؟ هناك تفسير غيبي لا أريد تناوله لما فيه من عمق واتساع وبحث طويل لا تتسع له هذه العجالة، فعلينا ان لا ننسى تلك الحقيقة الغيبية وهي ان الله سبحانه وتعالى في خلقه شؤوناً نحن قاصرون وعاجزون عن الوصول اليها الا بمقدار معرفتها ظاهرياً، والتسليم المطلق لها ، ولذلك فان السؤال المحوري الذي طرحناه سيدور جوابه حول ما نفهمه ونعيه ونستفيد منه عملياً.
واود ان اقدم الجواب هذا السؤال مقدمة هي عبارة عن ملاحظة استوحيتها واستلهمتها من مجمل آيات الذكر الحكيم، وآثار العترة الطاهرة التي هي عدل القرآن، هذه الملاحظة تتمثل في ان الله - تعالى خلق الاشياء يوم فطر السماوات والارض خلقاً واحداً، في حين أنه خلق الانسان خلقين، فبأمره سبحانه - خلقت الاشياء وصارت وجوداً بتلك القوة الازلية كما عبر عن ذلك جلت قدرته بقوله :« انما امره اذا اراد شيئاً ان يقوله له كن فيكون».
فهذا الكون الذي نحسه ونبصره انما كان رهن (كاف) و(نون) الهية ثم كانت التطورات والاشياء الأخرى من صنع الله القدير باسباب وعوامل وسنن خارجة عن الاشياء ، فتحولات الكون وتطوراته ومستجداته انما وجدت بفعل تلك القوانين والسنن الكونية التي اودعها الله - تعالى - في الوجود ، هذا في حين انه - تعالى - عندما خلق الانسان وفطره فان ارادته شاءت ان يكون هذا الخلق الواعي والناطق مرة بيد قدرته وبصورة مباشرة «اني خالق بشراً من طين»، ومرة اخرى بيد الانسان نفسه بعد ان منحه - تعالى ميزة الاختيار وسمة الحرية.
ومنذ ذلك الوقت الذي امضى فيه الصورة الثانية من الخلق، كانت هذه الميزة والسمة الجليلة مشتقة من اسمه المبارك بل من اسمائه الحسنى وهي الحرية والاختيار والقدرة ، ولقد بلغت هذه القدرة درجة وعظمة مكنته من ان يسمو ويرتفع الى مقام ومنزلة من السمو والكمال تبلغ به قاب قوسین او ادنی من الكمال ان شاء السمو والارتفاع و بلوغ الدرجات العلى ، أما إذا شاء هذا الانسان - والعياذ بالله ان ينحدر و يهوي الى اسفل سافلين، والدرك الذي لا يمكن لنا ان نتصوره فان هذا بامكانه ايضاً ، لان هذا يعود الى حرية الاختيار والارادة الممنوحة لهذا الانسان بالفطرة.
📚 إن الحسين مصباح هدى وسفينة نجاة.
سماحة آية الله العظمى المرجع المجدد السيد محمد تقي المدرسي دام ظله
