حقيقة النهضة الحسينية ومحاولات التشويه
في بداية كل عام هجري تتفجر في البلدان الاسلامية ثورة تجدد القيم الاسلامية الداعية الى مقاومة الظلم، ومحاربة الطاغوت ، ومع تجدد هذه الثورة في كل عام يطرح السؤال التالي : ما هو الهدف النهائي لهذه الثورة التي تستلهم من ثورة الامام الحسين (ع) دروسها وعبرها ؟ فنحن نعلم أنه (ع) ثار وتحرك وضحى بنفسه واهل بيته ، ولكن لماذا ؟ . وللأسف فان الكثير من الكتاب يتجاهلون الهدف النهائي الاسمى لهذه الثورة ؛ بعضهم خوفاً، وبعضهم ضلالة، والبعض الآخر مماشاة للرأي العام المضلل بدوره من قبل الحكام والقوى الطاغوتية والجاهلية.
الهدف النهائي لثورة الحسين (ع) : المفكرون الاسلاميون قالوا جواباً على التساؤل السابق ان ثورة الامام الحسين (ع) استهدفت اقامة حكم الله في الأرض، فقد كانت الحكومة الاسلامية هي النهاية المنتظرة لثورته (ع)، فهو لم يكن يستهدف بثورته في كربلاء واراقة دمه مجرد زعزعة بني امية عن الحكم، او احداث انفجار في داخل الامة لا يهدف شيئاً ، بل ان الامام الحسين (ع) كان يخطط الهدف محدد ألا وهو اقامة حكم الله على الأرض.
وبالطبع فان هذا الجواب الذي جاء على لسان المفكرين الاسلاميين لم يكن جديداً على النهضة الحسينية، والقيم الاسلامية وروح الآيات القرآنية، والسيرة النبوية، واحاديث الأئمة المعصومين (ع)، بل أن الجديد فيه هو دلالته على الشجاعة التي اتسم بها أولئك الذين طرحوه، ووقفوا يدافعون عنه صامدين امام التيار الرجعي الذي حاول اكتساح هذه المجموعة التي طرحت هذه الفكرة، وذلك من خلال استخدام اساليبهم المختلفة كالصحافة العميلة ، والمخدوعين ممن يدعون أنهم علماء دين.
محاولات تشويه حقيقة ثورة الحسين (ع) :
وعلى هذا فان هناك عناصر كثيرة حاولت تشويه ثورة الامام الحسين (ع) على مدى التاريخ، وحاولت فصل الدين عن السياسة، وفصل تأريخ الأمة عن حاضرها .
ترى لماذا وضع المستكبرون وعملاؤهم اصابعهم على هذه النقطة الحساسة، فأخذوا يقاومون هذا التيار، ويحاربون هذا التفسير الصحيح للتاريخ الاسلامي ؟ الجواب : لانهم عرفوا ان الامة الاسلامية اذا ارتبطت بتأريخها ، واستلهمت منه الحاضرها ، وإذا استوعبت دروس الحسين (ع)، فأنشد ستنهار العروش الطاغوتية، وسنتتهي الى الابد عصور الطغيان والظلم والقهر والاستغلال .
لقد ادركوا ان الشعوب الاسلامية تؤمن بالحسين (ع)، وتجدد ذكراه في كل عام، وتعيش مأساته في ذاتها ، وتعلم ان من الواجب عليها ان تثأر له (ع)، وللقطرات الزكية من دمه الطاهر الذي أريق في كربلاء، ولولئك المؤمنين الذين صرعوا في كربلاء، والطفل الرضيع الذي خضب بالدم، ولسبعين طفلاً وطفلة قتلوا تحت حوافر الخيول ...
ان كل امرأة في الامة الاسلامية تتمنى ان تثأر لزينب ، وام كلثوم، وفاطمة، وسكينة، وهكذا الحال بالنسبة الى رجالنا ، وجميع شرائحنا الاجتماعية المسلمة، فهم لا يجددون ذكرى أولئك الابطال لمجرد التجديد فحسب بل لكي يغذوا انفسهم بقيم الثورة ضد الطاغوت، ويتطلعوا للثأر من الطواغيت الذين هم في الحقيقة ابناء اولئك الذين قتلوا أولئك الابطال.
ثورة الامام الحسين طاقة في النفوس :
لقد عرف الاستكبار كل ذلك، وعرف ايضاً ان هذه الطاقة الثورية الهائلة الكامنة في الامة الاسلامية لو وجهت باتجاه تحطيم عروش الطواغيت ، ولو عرف الناس ان طواغيت اليوم هم امتداد ليزيد، وان هناك من يمثل دور هذا الطاغية ، لو عرفوا هذا بالضبط ، فسوف تتفجر الثورة في نفوسهم، ولذلك فقد استخدم الاستكبار كل كيده وادواته واصابعه من اجل الفصل بين الثورة وبين هذا الاحساس العميق. ولذلك كله فإن الشعوب الاسلامية التي تعيش ذكرى الحسين (ع) بدأت تطرح على نفسها التساؤل الذي طرحناه في مقدمة هذا الفصل وهو: لماذا نجدد في كل عام ذكرى الحسين (ع)، وما هو الهدف من اقامة العزاء، وخروج المواكب ، وهل هو مجرد تظاهرة طائفية وتنفيس عن الكبت الداخلي ؟ اقامة حكم الله في الأرض :
ان وراء كل ذلك اهدافاً سامية عليا من ابرزها هدف اقامة حكم الله في الارض، فنحن نريد ان تصبح كالحسين (ع) ، وان يكون آخر هدفنا ، ومنتهى املنا ان تراق دماؤنا على مذبح الحرية، فنحن نبكي لان البكاء هو صوت الثورة، ونقيم العزاء لانه تظاهرة من اجل الثورة، والمظلومين والمحرومين في الأرض.
وهكذا فان الجماهير في البلدان الاسلامية اذا وجدت اقلاماً وألسنة تفسر ذكرى الامام الحسين (ع) هذا التفسير الصحيح ، لاستطاعت ان تتحرك بوعي اكثر، وبصيرة اوضح باتجاه اقامة حكم الله - تعالى - في الارض.
فنحن نقرأ النصوص الموجودة في سيرة الحسين (ع) ومن ضمنها البيان الاول الذي أطلقه (ع) يوم خرج من المدينة إلى كربلاء عندما قال : « واني لم اخرج اشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً وانما خرجت لطلب الاصلاح في امة جدي»، والاصلاح هنا يعني اقامة حكم الله في الارض لا في المدينة المنورة ولا مكة ولا الكوفة فحسب، بل كان يبغي الاصلاح في جميع البلدان الاسلامية وعلى مدى التاريخ. وهذه هي حقيقة الثورة الاسلامية انها ليست ثورة محدودة بأقليم او بعصر، فالله - تعالى هو إله الجميع في كل مكان، وعبر كل العصور، وكذلك الحال بالنسبة الى الثورة التي تستلهم من الله - سبحانه - اطرها ، واساليبها ، وخططها . ونحن نرجو من كل صاحب بصيرة وبيان، ومن كل صاحب قلم ولسان.. ان يكشف للامة الدوافع الحقيقية لثورة الامام الحسين (ع).. دون خوف من الدجالين، ودون مماشاة للمضلين، ودون خشية من المفسدين في الارض ..
فاذا تحملوا مسؤوليتهم، فاني اؤكد لهم أن الجماهير ستتحمل هي الاخرى مسؤوليتها ، وستعرف حينئذ ويعرف العالم ان عصر الحسين (ع) قد بدأ ، ليولي يزيد واتباعه الى الجحيم وبئس المصير.
📚 إن الحسين مصباح هدى وسفينة نجاة.
سماحة آية الله العظمى المرجع المجدد السيد محمد تقي المدرسي دام ظله
