حدد سماحة المرجع المدرسي ثلاث حكم جوهرية للاختلاف بين البشر:
1. التنافس نحو الكمال:
أن الاختلاف يمثل "ساحة تنافس" إيجابية، حيث يشكل الابتلاء الإلهي (ليبلوكم) وسيلةً لظهور المستور وخروج الكامل من الإنسان، مستشهداً بقوله تعالى: {وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ}. وأشار سماحته إلى أن التاريخ أثبت أن التحديات الكبرى -وإن كانت في أصعب صورها كالحروب- قد كانت تاريخياً دافعاً لظهور الاختراعات والابتكارات البشرية الكبرى.
2. امتحان القيم والالتزام:
يمثل الاختلاف اختباراً لمدى تمسك الإنسان بمبادئه وقيمه الأخلاقية، لاسيما عند حدوث النزاعات. فالاختلاف يكشف عن حقيقة التزام المرء بضوابط الحق؛ إذ أن أكثر أسباب الزلل والذنوب تقع حينما يفقد الإنسان زمام نفسه عند الخصومة.
3. الاستباق نحو الجديد:
أكد سماحته أن من أهداف الاختلاف دفع البشرية نحو "الإنطلاق إلى الأمام"، وكسر الجمود عبر ابتكار مجالات جديدة، مشدداً على ضرورة استثمار الآية الكريمة {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} كمنطلق عملي لكل مؤمن ومفكر لاختراق الميادين الواسعة والسعي للسبق في ميادين الخير والعطاء.
المرجع المدرسي يدعو لتحويل الاختلافات إلى تنافس في "أحسن العمل" والتحصن من مشاريع التفتيت*
*في سياق استكماله للبحث حول فلسفة الاختلاف، وضع سماحة آية الله العظمى المرجع المدرسي (دام ظله) خارطة طريق عملية للتعامل مع الاختلافات البينية داخل الإطار الواحد، محذراً من استنزاف الطاقات في الجدال العقيم.*
*من الجدال إلى ميدان العمل الصالح*
دعا سماحته إلى ضرورة الارتقاء من مستوى الاختلاف الجدلي والصراعات البينية إلى مستوى "التنافس في أحسن العمل". وأكد أن الحكمة الإلهية من خلق الإنسان تتجلى في قوله تعالى: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}، وهو ما يقتضي توجيه الطاقات المهدورة في الجدال نحو ميادين العبادة، والخدمة، وإتقان العمل. وشدد سماحته على أن الانشغال بالعمل الصالح وتجويده هو الرد الأمثل على الخلافات، حيث لا يجد الإنسان مبرراً للوقوف عند أخطاء الآخرين أو الخوض في سيرهم بينما هو مشغول بواجبه تجاه ربه ومجتمعه.
*مواجهة المؤامرات ومشاريع الفتنة*
حذر سماحة المرجع المدرسي من "وسائل خبيثة" تتبعها قوى الشر (من شياطين الإنس والجن) لضرب وحدة الصف في العراق وإيران، من خلال التسلل إلى الحوزات العلمية، والمشهد السياسي، والإعلامي لخلق الانقسامات.
*الاستعاذة بالقرآن: الختام الذي يحمي البداية*
في تأمل قرآني عميق، لفت سماحته إلى حقيقة دقيقة في ترتيب المصحف الشريف؛ حيث يبدأ القرآن بـ "الحمد" (بوابة التوحيد والامتنان) ويختتم بسورة "الناس" (بوابة الاستعاذة). وأوضح سماحته:
* سورة الناس: جاءت لتكون الحصن الأخير في القرآن الكريم، حيث يختتم الله كتابه الكريم بالاستعاذة من "شر الوسواس الخناس" الذي ينفث في صدور الناس؛ أي أولئك الذين يخونون، يتهمون، ويسعون لضرب المؤمنين ببعضهم.
* سورة الفلق: التي سبقت الناس مباشرة، تضع اليد على مكمن الخطر في "النفاثات في العقد" و"شر الحاسد إذا حسد". وأشار سماحته إلى أن القرآن يستخف بأسلوب "النفث" (الكلام التحريضي) الذي يهدف إلى عرقلة مسيرة الناجحين والمتقدمين.
وأكد سماحته أن الحاسد لا يقف عند حد الشعور النفسي، بل يتحول بحسده إلى "تخريب العمل"، مما يجعل الاستعاذة بالله من هذه الأطراف ضرورة حياتية ومنهجاً قرآنياً مستمراً لحماية وحدة المجتمع ومسيرة التنمية فيه.
المرجع المدرسي يحذر من "ديكتاتورية الإعلام السلبي" ويدعو لاستحضار النعم لمواجهة ثقافة التخويف*
*في سياق رؤيته التحليلية لفلسفة الاختلاف وكيفية مواجهة مشاريع التفتيت، سلط سماحة آية الله العظمى المرجع المدرسي (دام ظله) الضوء على الدور الخطير الذي يلعبه "الإعلام السلبي" في تغذية الخلافات وتضخيم الأزمات، داعياً إلى إعادة النظر في منهجية التعامل مع الواقع وتثمين الإيجابيات الكبرى.*
*الإعلام والوقوع في "حصائد الألسنة"*
انتقد سماحته بشدة ظاهرة هيمنة "السلبيين" على المنصات الإعلامية والإذاعات، مؤكداً أن الإعلام المعاصر تحول في كثير من جوانبه إلى أداة للصراع والذم بدلاً من أن يكون منبراً للبناء. واستشهد سماحته بحديث رسول الله (ص) عندما سُئل عن مؤاخذة الناس على كلامهم، فأجاب: "وهل يكبُّ الناسَ على مناخرهم في نار جهنم إلا حصائدُ ألسنتهم؟". وأوضح سماحته أن الكثيرين اليوم يمارسون "حصد السلبيات" بنهم، غافلين عن المسؤولية الشرعية والأخلاقية لهذا الكلام الذي يزرع الضغينة ويفتت النسيج الاجتماعي.
استراتيجية "تضخيم السلبيات" وتغييب الواقع الإيجابي
ضرب سماحة المرجع المدرسي أمثلة واقعية من العراق وإيران لتبيان الفجوة بين الواقع والحقيقة الإعلامية، مشيراً إلى أن الإعلام يتجاهل الإنجازات الكبرى -كمعدلات المواليد المرتفعة، واستقرار الحياة الاجتماعية، ونجاحات الزيارة الأربعينية المليونية- ويركز فقط على الثغرات. وأضاف سماحته: "لقد وصلت حال الناس إلى مرحلة من 'التهوع' من كثرة الكلام السلبي"، داعياً المسؤولين والنخب إلى كسر هذا القالب وتوجيه الخطاب نحو استحضار ستر الله وجميل صنعه في حياة الناس.
*نعمة الأمن والاستقرار في زمن التحديات*
في لفتةٍ واقعية، قارن سماحته بين الصورة التي يرسمها الإنترنت عن الدول، وبين واقعها على الأرض. ففي حين توحي أخبار الإنترنت بأن دولاً مثل إيران تعيش حالة من الانهيار بسبب الضغوط، يجد المراقب للواقع استمراراً للحياة الطبيعية وتجاوزاً لآثار الحروب، معتبراً أن الشعوب لا تزال تعيش في "نعمة" رغم بعض الضيق الاقتصادي، ومؤكداً أن المقارنة الموضوعية للأسعار والخدمات تظهر أن النعمة لا تزال حاضرة وبقوة.
*خلاصة الموقف: التحصن بالقرآن والوعي*
ختم سماحته توجيهاته بالتأكيد على أن سورتي "الفلق" و"الناس" هما السلاح القرآني الأمثل لمواجهة شياطين الإنس والجن الذين يبثون الفرقة. وشدد على ضرورة تحصين المجتمع بالوعي، وعدم الانجرار خلف "النفاثات في العقد" (الإعلام المحرض)، والاعتصام برب الفلق والناس كمنهج حياة يحمي الأمة من الوقوع في فخاخ الحاسدين والمتربصين، داعياً المؤمنين إلى أن يكونوا مصدراً للإيجابية والبناء، والتركيز على أداء التكليف الشرعي، لأن الحساب الإلهي سيكون على "أحسن العمل".
المرجع المدرسي يدعو إلى "ثقافة الإيجابية" كمنهج حياة وتحصين للمجتمع من معاول التفتيت الغربية*
*في ختام محاضرته التأصيلية، قدم سماحة آية الله العظمى المرجع المدرسي (دام ظله) رؤية عملية لتعزيز الإيجابية في المجتمع، محذراً من محاولات القوى الغربية، لا سيما البريطانية منها، لتمزيق النسيج الاجتماعي عبر "إذاعات القيح" التي لا تنطق إلا بالذم والاتهامات العارية عن الدليل.*
*النموذج الحضاري: بين "نظرة الأنبياء" وواقع الغرب*
دعا سماحته إلى تبني "رؤية الأنبياء" في التعامل مع الأحداث، مستشهداً بموقف نبي الله عيسى (ع) عندما مرَّ على جيفةٍ متفسخةٍ، فبينما كان الحواريون ينفرون منها، ركز هو (ع) على "بياض أسنانها"؛ وهي إشارة نبوية بليغة لضرورة البحث عن الجوانب المشرقة حتى في أكثر المواقف قتامة. وأكد سماحته أن أصحاب الرؤية السلبية هم الأكثر عرضة للهرم المبكر والاضطراب النفسي، بينما يجد المؤمن الراحة في انشغاله بواجبه بعيداً عن تقييم الآخرين الذي هو شأن الخالق سبحانه.
*مواجهة التضليل الغربي*
كشف سماحته عن طبيعة الاستهداف الممنهج الذي تمارسه الدوائر الغربية لضرب العلاقات بين شعبي العراق وإيران، من خلال محاولة الوقيعة بين العلماء والخطباء والمجموعات المؤمنة. ووصف سماحته خطاب هذه المنابر المضللة بـ "إذاعات القيح"؛ نظراً لما تفرزه من سموم فكرية واتهامات لا تستند إلى دليل، تهدف إلى تمزيق وحدة الصف بدلاً من تقديم النصح أو الحلول.
*ثقافة "استبقوا الخيرات" كبديل للصراع*
وضع سماحة المرجع المدرسي منهجاً عملياً يقوم على:
1. تنافس الإنتاج لا صراع الكلمات: بدلاً من الانشغال بالجدل حول الأشخاص والأرض، يجب أن يتحول الاختلاف إلى دافعٍ لتقديم الأفضل (أنا أكتب كتاباً وأنت تكتب كتاباً، أنا أعمر أرضاً وأنت تعمر أخرى).
2. اليقين بالجزاء الإلهي: استذكر سماحته الحكم (العراقي والفارسي) التي تحث على فعل الخير دون انتظار مقابل مادي من الناس، مؤكداً أن الله -عز وجل- هو الذي سيعيد "الخير" للمؤمن ولو في "الصحراء القاحلة".
3. التركيز على العمل الصالح: ختم سماحته دعوته بالتأكيد على أن الانشغال بالعمل الصالح هو الحصن الأقوى، داعياً الجميع إلى اتخاذ قرار عملي بالبدء بالبناء والإيجابية، مهما كان ضجيج السلبيين من حولنا، مصداقاً لقوله تعالى: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ}.
