عاشوراء تجسيد الرسالات السماء
كل حركة وكل ثورة في التاريخ تنطلق من ارضية ثقافية هي قاعدتها ومنطلقها وهدفها ، وأبرز ما تتميز به حركة الانبياء عن غيرها انها تنطلق من قاعدة التوحيد، وبعبارة اخرى . أنها حركات الهية تستمد شرعيتها من رسالة السماء، وتستوحي برامجها منها، ولكن هذا التعريف يبقى عائماً من دون معرفة جوهر الرسالات الالهية الذي هو الاتصال بالله - تعالى - ؛ أي التسليم له ، ثم الايمان به و معرفته وبالتالي الاتصال بنوره .
نظرة الانسان المؤمن الى الدنيا :
ان اصحاب هذه الرسالات يمثلون قياداتها الشرعية المتجسدة في الانبياء والأئمة (ع)، وأما قاعدتها فمتمثلة في المؤمنين الصادقين الذين تتصل ارواحهم بنور الله - تعالى، حتى تغدو الدنيا تافهة عندهم بما فيها من بهارج وزخارف واغراءات وشهوات تثيرهم، فينظرون الى هذه الدنيا نظرة خاصة بهم تختلف عن نظرات الآخرين، فاذا نظر الناس اليها باعتبارها شيئاً ثابتاً، فانهم ينظرون اليها على أنها معبر خاطف وجسر لهم الى الآخرة، فالدنيا بالنسبة اليهم مزرعة الآخرة، فكما ان الانسان يريد ان يزرع في الارض شيئاً ثم يحصده لينتفع به، فهم ايضاً يريدون ان يجمعوا شيئاً من حصاد اعمالهم في هذه الدنيا لتلك الرحلة الطويلة الشاقة التي يجب عليهم ان يقوموا بها في الآخرة . قال - تعالى -: « وتزودوا فان خير الزاد التقوى » . وقال ايضاً : « وان الدار الآخرة لهي الحيوان » . فهؤلاء المؤمنون لا ينظرون الى اموالهم تلك النظرة الانانية الذاتية، بل ان المال امانة في أيديهم، والأهل والأولاد فتنة، والنعم بالنسبة لهم بلاء كما ان النقم بلاء، فكل شيء في الحياة هو بالنسبة اليهم امتحان وابتلاء واختبار لمدى ارادتهم وصمودهم، وهم لا يقسرون أنفسهم على هذه النظرة قسراً، ولا يكرهون عليها ليقبلوها، بل هي نظرة نابعة من عمق شعورهم ووجدانهم الحي، وضميرهم المتيقظ، ومعرفتهم بحقيقة الدنيا والآخرة، وهذا الشعور والمعرفة تابعان بدورهما من اتصال ارواحهم بنور الله - سبحانه وتعالى .
ارواح المؤمنين متصلة بنور الله : وعندما نقول ان ارواحهم متصلة بنور الله، فان هذه الكلمات لا تفي بما نريد ان نعبر عنه، لان هذا الموضوع بالذات ليس مما يوصف بكلمات والفاظ، فأية حكمة لا تستطيع ان تكون اوضح تعبيراً من وصول هذا الانسان الى النور ذاته، اما الذي لم يصل الى النور، ولم يهتد اليه فانّه كالاعمى كلما فسرت له كلمة النور كلما ازداد غموضاً عنده، وابتعاداً عن فهم حقيقة هذا النور.
وكذلك الحال عندما نذكر مفهوم الاتصال بالله ، فان كل انسان قد وجد لحظات من الاتصال النوراني في حياته على الاقل في لحظات العسر الشديد، او لحظات الانقطاع عن الدنيا، او لحظات التبتل، ففي هذه اللحظات عرفنا ونعرف ماذا يعني الاتصال بالله .
ان الاتصال بالله يعني ان الانسان في تلك اللحظات لا يجد شيئاً أفضل عنده من الله - تعالى، وهو لا يستطيع ان يسأل نفسه عن السبب، لأنه ينسى نفسه في تلك اللحظات التي تتصل فيها روحه بنور الله - سبحانه ... والانبياء والأئمة والأولياء والصالحون (ع) يعيشون هذه الحالة في اغلب اوقاتهم ان لم نقل كلها، فقلوبهم بين اصابع الرحمان، ونفوسهم متعلقة بعرشه فتراهم يعيشون مع الناس ولكنهم في الواقع يعيشون مع الله، وفي هذا المجال يقول الامام علي (ع) : «ما رأيت شيئاً الا ورأيت الله قبله ومعه وبعده » و يقول ايضاً : « والله لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقيناً » . يروي ان في احدى الحروب الاسلامية أسر المسلمون جندياً من جنود العدو، فجلس بينهم وقال : الى أي شيء تدعون ؟ قالوا : ندعوا الى رب العالمين خالق السماوات والارضين، قال : ومن رب العالمين ؟ قالوا : ان علمه وقدرته وتدبيره محيط بكل شيء .. وعندما وصفوا له الله - تعالى - تجلى لقلبه فغمر هذا القلب نور الايمان، فاتصل قلبه قبل ان يتصل جسده، وتغيرت حالاته، فقال : اعطوني برامج دينكم ومنهاجه وشرائعه واحكامه، فأوضحوا له هذه المناهج، فأخذ يصلي، وعندما حان وقت الطعام دعوه للغداء، فرفض ان يأتي، ثم لم ينم الليل، وظل جالساً في حالة غريبة، فقالوا له : ثم وارتح، فقال : وهل يستطيع احد ان ينام امام الله جبار السماوات والارض، وخالق كل شيء، فبقي ثلاثة ايام دون ان يأكل او يشرب حتى توفاه الله برحمته . هل نحن من هؤلاء المؤمنين ؟ وبعد، فهذه هي حالات العارفين بالله حق معرفته، فهل نحن منهم ؟ وهل نحن من مصاديق المؤمنين الذين وصفهم اميرهم بقوله : « لولا ان المؤمنين قد قدر الله لهم آجالا محددة لتحلّقت ارواحهم الى الله شوقاً اليه، وخوفاً من ناره، ورغبة في جناته » . وهذه هي حقيقة العرفان، أنها المعرفة بالله حق معرفته، وهنا أؤكد على كلمة (المعرفة)، والاتصال بالله تعالى هذه الكلمة التي عبرت بها عن هذه الحالة، والتي لا يمكنها ان تكشف عن حقيقة ما أريد ان اقوله . ولذلك يضل اولئك المؤمنون مشتاقين الى لقاء الله - تعالى - في كل لحظات حياتهم، وفي كل مكان ،فهم ليسوا واثقين من انفسهم لأنهم يتهمونها دائماً ، ولكنهم واثقون من رحمة الله ومغفرته لانهم عرفوا الله، وعرفوا انه - تعالى - لا يخيب ظنهم، وأنه سيغفر لهم ذنوبهم عندما يتوفاهم : الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة ..... .. فالملائكة تستبشر بارواح الصديقين وارواح الشهداء والأولياء فتستقبلهم في اول لحظة من لحظات انتقالهم من الدنيا الى الآخرة ولذلك جاء في الدعاء : « واجعل خير أيامي يوم القاك » ، فهذا اليوم هو خير ايام حياتهم لأنهم انهوا الامتحان، فانتهت الصعاب، وحل وقت الجزاء الذي لا ينتهي، وهل هناك جزاء افضل من رضى الخالق الذي هو سيدنا والهنا وحبيب قلوبنا ؟
📚 إن الحسين مصباح هدى وسفينة نجاة.
سماحة آية الله العظمى المرجع المجدد السيد محمد تقي المدرسي دام ظله

عاشوراء تجسيد الرسالات السماء
27 يونيو 2026