photo_2026-06-18_19-01-45.jpg

    عاشوراء ثورة في ضمير الانسان

    20 يونيو 2026

    عاشوراء ثورة في ضمير الانسان

    ما أكثر العبر واقل المعتبر فظواهر الحياة تسدي للانسان دروساً لا تحصى، ولكن هذا الانسان يحتجب عن هذه الدروس العظيمة في الحياة بحجب سميكة، فبدلاً من ان يفتح قلبه على دروس الحياة فيستلهم منها ما يحتاج اليه تراه يعرض و يتغافل عنها .

    الدروس التي تخترق الحجب :

    ومع ذلك فان هناك دروساً في الحياة تخترق الحجب، وتهدم الحصون، سواء شاء الانسان ام ابي، وهذه الدروس هي الحجج الالهية الكبرى على الانسان، ولا ريب أن واقعة كربلاء هي درس من هذه الدروس، فان كان قلب الانسان خاشعاً استلهم العبرة من كل ظاهرة في الطبيعة أو في المجتمع أو التاريخ والحاضر، فيعتبر بكل نعمة انعم الله بها عليه ، كما يعتبر بكل نقمة دفعها عنه .

    ان القلب الخاشع والقانت والسليم هو القلب الذي يكون كنبتة في مهب النسيم، فهم المثل الواضح لقوله - تعالى - : «انما المؤمنون الذين اذا ذكر الله وجلت قلوبهم ، واذا تليت عليهم آياته زادتهم ايماناً وعلى ربهم يتوكلون».
    ومع ذلك فان كل الناس ليسوا كذلك، فان اكثرهم ولو حرصت ليسوا بمؤمنين، بل ان اكثرهم مشركون، ومثل هؤلاء بحاجة الى هزة عنيفة تحطم في قلوبهم كل الجدران التي اقاموها بانفسهم ، ولمثل قلوب هؤلاء كانت كربلاء ، وكانت واقعة عاشوراء، وكانت الحوادث المأساوية التي جرت على ابي الشهداء والاحرار الامام الحسين (ع) واهل بيته واصحابه ، أو ليس الحسين (ع) شهيد العبرات والدموع، وشهيد القلوب التي تخشع المأساته ، فاذا خشعت لها خشعت للحقائق التي حدثت تلك المأساة من اجلها وفي سبيلها .
    المصيبة التي ادمت جميع القلوب :

    فالانسان - أي انسان لا يملك عندما يستمع إلى قصة كربلاء الا ان يخشع قلبه ، فهذا الانسان لا بد ان يتأثر وهو يتصور دخول الامام الحسين (ع) الى كربلاء، وكيف ان القوم استضعفوه ، واحتوشوه من كل مكان، وهم الذين دعوه ليكون اماماً واميراً لهم ، ولكنهم جندوا طاقاتهم ضده ، وارسلوا اليه ثلاثين الفاً ليقتلوه صبراً، ولا بد ان ايضاً من ان تخنق الانسان العبرة وهو يجسد في ذهنه حالة السبط الشهيد في ليلة التاسع من شهر محرم عندما جلس ينعى نفسه قائلاً :  یا دهراف لك من خليل كم لك بالاشراق والاصيل من صاحب وطالب قتيل والدهر لا يقنع بالبديل وانما الأمر إلى الجليل. وكل حي سالك سبيلي

    ان القلب الذي لا يشخع لمثل هذا الموقف لابد ان يخشع الموقف آخر وهو موقف الحسين وهو يطلب من ذلك الجيش الهائل الماثل امامه مهلة ليلة واحدة ، فيرفضون هذا الطلب، في حين انه (ع) لم يطلب تلك المهلة لكي يودع اهله فيها أو يتمتع بملاذ الحياة بل لكي يصلي لربه، ويجدد عهده. بالصلاة والقرآن.

      وهكذا فكل موقف من مواقف الحسين (ع)، وكل مصيبة من مصائبه ، تكفيان لاذابة الصخرة الصماء فكيف بالقلوب ؟ ، فان لم تخشع للمآسي التي حدثت في يوم عاشوراء فهي خاشعة لا محالة للمأساة التي حدثت بعد عاشوراء أي في اليوم الحادي عشر عندما مروا بآل البيت من الثكالى والارامل على اجسام اعزتهن وهم مقطعون ارباً ارباً ... وهكذا الحال بالنسبة الى مصيبة زينب في الكوفة ، وللمصائب التي نزلت على آل البيت في الطريق الى الشام، وعند عودتهم الى المدينة . وعندما يقول الآئمة المعصومون الذين عصمهم الله من الدنس، وآمنهم من الزلل : «لا يوم كيومك يا ابا عبد الله».
    وعندما يقررون ان المصيبة التي حلت بالحسين (ع) لم تحل بأحد في التاريخ لا قبل ذلك اليوم ولا بعده فانما يبينون بذلك حقيقة هامة ان الله - تعالى قد هيأ هذه الفرصة لتخشع القلوب، وليهتدي الناس، فالهدف من كربلاء هو خشوع القلب ، وسقوط تلك الحجب والتحصينات التي تصنعها النفس امام التأثر بظواهر الحياة ، فالقلب لا يهتدي الا اذا خشع، وكيف يخشع وبينه وبين ظواهر الحياة حجب سميكة ؟ ومثل هذا الخشوع لا يمكن ان يحصل الا بمثل ظاهرة كربلاء، ولذلك اصبح البكاء قضية دينية في مثل هذه الحقيقة ، فالله - تعالى - يأمرنا بالصبر في كل مصيبة قائلاً : «انما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب» «وما يلقاها الا الذين صبروا » .

    لماذا البكاء على مأساة الحسين (ع) :

    فهو - تعالى - يأمرنا بالصبر في كل موضع أما في هذه الحادثة فتأمرنا النصوص الاسلامية بالبكاء :« من بكى وابكى او تباكي وجبت له الجنة» ، و يروى ان الامام الرضا (ع) دخل عليه احد اصحابه غداة اول يوم من عاشوراء فقال : «ان يوم الحسين اقرح جفوننا » فقال الامام (ع) : «يأبن شبيب ان كنت باكياً على احد فابك على جدنا الحسين (ع)» ، فالحسين احق من يبكى عليه لان حادثة كربلاء هي اعظم مصيبة وردت على الانسانية عبر التاريخ.

    وهكذا فان الامر بالبكاء والندب والنحيب يكمن وراءه هدف وحكمة ، فليس عبثاً ان الأئمة (ع) كانوا يؤكدون دوماً على البكاء والنحيب، وعلى تجديد ذكرى الحسين (ع) في كل سنة، وكأنها وقعت في الامس القريب، وكأن الحسين قد استشهد في هذا العام، فلا ريب أن طائفة كبيرة من المسلمين يبادرون الى تجديد هذه الذكرى كلما مر عليهم هذا الشهر الحزين المليء بالعبر والعبرات، فترى المدن تلبس السواد، وتتغشى القلوب بسحابة من الكآبة ، وتصطبغ المجالس بلون الدم والمأساة، أوليس كل ذلك الهدف وحكمة ؟ ترى ما هي هذه الحكمة ؟ الحكمة من وراء ذلك هي ان القلوب عندما تخشع، وعندما تتفاعل النفوس مع المأساة، فانها ستخشع لهدف الحسين (ع)، ولواقعة كربلاء ، واهداف واقعة كربلاء، ومن هنا فانني اطالب الاخوة الذين يجددون هذه الذكرى المباركة بشكل من الاشكال فيكتبون، أو ينشدون الشعر، أو يرتقون المنابر و يقيمون المآتم والمجالس، اطلب من هؤلاء جميعاً ان لا يغيب عن بالهم ان كل هذه المظاهر، مظاهر الحزن والخشوع ، انما تهدف الى تقريب النفوس من الحقائق، وجعلها تستفيد من عبر واقعة كربلاء .     ولذلك ترى ان الحسين (ع) قد القى في يوم عاشوراء فقط خمس خطب منذ صبيحة يوم عاشوراء وحتى ظهره، فكان يستغل كل مناسبة ليبين اهداف ثورته ، وقد سجل (ع) في كل مناسبة ، وعند كل مصرع الشهيد بياناً لهدفه ، والحكمة التي من اجلها استشهد حتى امتزج الهدف بالمأساة، فلا الهدف ينفصل عن المأساة، ولا المأساة بمنفصلة عن الهدف .
    فالحسين (ع) خرج الى كربلاء وفي طريقه كان يردّد الآية الكريمة : «تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الارض ولا فساداً والعاقبة للمتقين» ، فكيف نستطيع ان نفصل مسيرة الحسين (ع) الى كربلاء عن هذه الآية التي كان يرددها في كل لحظة ، وكيف نستطيع ان نفصل بينه (ع) وبين الصلاة التي اداها وهو في قمة المواجهة ، فقد صلّى واوقف اثنين من خيرة اصحابه ليقيانه السيوف والسهام والمعركة دائرة على اشدها ، وبالتالي كيف يمكننا ان نعزل المأساة عن الحسين (ع) وهو يضع رأسه في آخر لحظة من لحظات حياته على تراب كربلاء قائلاً : «صبراً على قضائك لا اله سواك يا غياث المستغيثين » ؟؟ وعندما يذبح ابنه على يديه الكريمتين يمسك بالدم ويرمي به في الفضاء ويقول : «هون ما نزل بي انه بعين الله تعالى» ، فانّه في كل لحظة يسجل هدف ثورته وموقفه ، الموقف وهدف الموقف، الحركة وحكمة الحركة ، القضية ومأساة القضية ، كل ذلك لا نستطيع ان نفصله عن بعض، ولذلك فان على خطبائنا الكرام وكتابنا ومؤلفينا وكل من يقوم بدور ما في هذه الايام ان يعرف ماذا كانت حكمة مواقف الامام الحسين (ع) ، وان يذكر كل موقف مع حكمته ، لان الموقف انما جاء من اجل تلك الحكمة، فالبكاء وسيلة لخشوع القلب ، وخشوع القلب بدوره وسيلة اساسية لقبول الحق.
    📚 إن الحسين مصباح هدى وسفينة نجاة.
    سماحة آية الله العظمى المرجع المجدد السيد محمد تقي المدرسي دام ظله