photo_2026-06-18_19-01-45.jpg

    عاشوراء رسالة الاعلام الجماهيري

    01 يوليو 2026

    عاشوراء رسالة الاعلام الجماهيري نستقبل في كل عام مناسبة تمثل القمة في تحدي الايمان للكفر، وفي تبلور الصراع بين جبهة الحق وجبهة الباطل، ألا وهي مناسبة عاشوراء، ونحن لو انصفنا هذه المناسبة لجعلنا من كل ايامنا عاشوراء، ومن كل بقعة من بقاع الأرض كربلاء.

    فهذه المناسبة ليست مناسبة تاريخية مضت ولم يبق منها الا عبرها ، وإنما هي في الواقع حركة ابتدأت عام (٦١) للهجرة ولكنها امتدت وتصاعدت عبر السنين حتى اليوم، ففيها تتجلى ابعاد مختلفة ، فهناك تضيق المسافة بين الانسان والقيم لأن جسر التضحيات يقرب الانسان من العالم المعنوي والافق الاعلى بما لا يقربه شيء آخر. وفي هذه المناسبة تتجلى ايضاً حالة الاجتماع حيث ان الفوارق التي تفصل بين الانسان ونظيره الانسان، وبين المؤمن واخيه المؤمن، تتضاءل الى درجة ان كل واحد يشعر أنه يندمج مع الآخرين اندماجاً كاملاً. ومع ذلك فان القضية الاعلامية هي اهم المفردات التي تتجلى في هذه المناسبة ؛ أي قضية الدعوة الى الله واعلان كلماته والدفاع عن عباده واعلان البراءة من اعدائه، ولذلك فاني سوف اخصص هذا الفصل للحديث حول القضية الاعلامية. وبشكل عام يمكننا القول ان هناك منهجين اعلاميين في العالم :

    1 - المنهج الرسمي : أي الاعلام القائم على أسس واضحة مشروعة ومعترف بها لدى المؤسسات الاجتماعية والسياسية القائمة ويتمثل هذا الاعلام في الجرائد والاذاعات واجهزة الاتصال العامة الأخرى.

    2- الاعلام الجماهيري المرتبط بالانسان : أي الاعلام الذي لا يقوم به جهاز خاص أو مؤسسة خاصة وانما يقوم به كل واحد من ابناء الامة. ونحن المسلمين علينا ان تهتم بكلا المنهجين في الاعلام، وبالنسبة الى المنهج الاول فان هناك شعوراً باننا متأخرون ومتخلفون فيه ، ومن الخطأ بمكان ان نقول ان الذين يقتلوننا وينهبون ثرواتنا ويعتدون على حرماتنا أنما يفعلون ذلك بقوة السلاح ، كلاً ، فقوة السلاح هي في الحقيقة قوة ثانوية اذا ما قيست بقوة الاعلام، فهم يقتلوننا بالسنتهم قبل ان يقتلونا برصاصهم . والدليل على ذلك أن المجازر التي ترتكب بحق المسلمين في انحاء العالم تحدث والعالم يغرق في سكوت رهيب، وهنا يتجلى عمق المأساة اذ ان العالم وبالذات العالم الاسلامي كان قد فقد منذ زمن حصانته وقيمه الروحية، فالاسلام الذي جاء نصيراً للمستضعفين ضد المستكبرين، والذي جاء لتكريس قيم الرسالات الالهية في الانسان قد تحول عند المسلمين الى قشور زائفة الى درجة انك تجد ان الكثير من المسلمين يقفون مكتوفي الأيدي ازاء ما يحدث من مجازر فلو أن المسلمين كانوا ما يزالون يحملون الضمير الذي صنعه الاسلام في المسلمين الأوائل لما تجرأ الاستكبار على ارتكاب تلك المجازر، فمن الذي افسد ضمير المسلمين، ومن الذي جعلهم لا يدافعون عن قيمهم ؟ انه الاعلام المزيف والمضلل، فعشرات الاذاعات والصحف والمحطات التلفزيونية وسائر الاجهزة الاعلامية المضللة ساهمت ومنذ فترة طويلة في افساد الرأي العام عند المسلمين في غيبة من اصحاب الفكر الواعي، والضمائر الحرة.

    مسؤوليتنا ازاء الاعلام المضلل :

    وهنا تتجلى مسؤوليتنا نحن المسلمين اليوم ؛ وهي أن لا ندع هذه الاجهزة تستبد بتوجيه الرأي العام، وأن تفصل هذه الاجهزة عن هذا الرأي العام من خلال صنع الاجهزة البديلة، فما هو المانع من ان تصدر الصحف مثلاً ؟ صحيح ان حرية الصحافة محدودة في أكثر البلدان الاسلامية، ولكن الانسان اذا اراد شيئاً وسعى اليه فسيحققه، علماً ان هنا بلداناً ما تزال فيها بقية حرية، فلماذا لا نستغلها ؟ فلو استفدنا من هذه الحرية الممنوحة هنا وهناك ، وقمنا بواجبنا لوفق الله - تعالى - المسلمين للمزيد منها ، ولكننا لا تستغل هذه الحرية للأسف.

    ان الانسان المؤمن الذي تريد الدفاع عنه هو أعز عند الله من الكعبة كما تؤكد ذلك الاحاديث الشريفة :« المؤمن اعز من الكعبة» و «الكعبة للناس وطليعة الناس للمؤمنين»، وهكذا فان الدفاع عن هذا الانسان المؤمن وعن كرامته وحرمته ودمه واجب ايضاً. ولقد اهتم الاسلام اهتماماً كبيراً بالتبليغ والدعوة وارشاد الجاهلين، فلماذا لا يبادر أهل الثروة فينا الى الاتفاق في هذا المجال ؟ ولماذا لا يقدم أهل القلم عندنا على اصدار الصحف ؟ وباختصار لماذا لا تضع هذه المسألة الاساسية في الأولوية ؟ علينا أن نهتم بالاعلام والصحف والاذاعات واجهزة الاعلام الأخرى كما يهتم الغرب بها ، ففي بريطانيا وحدها تصدر مئات الصحف والنشرات يومية وغير يومية بل ان بعض الصحف اليومية تصدر ثلاث مرات كل يوم ، وفي الولايات المتحدة هناك أكثر من الفي محطة اذاعية ومئات اجهزة الارسال التصويرية، فالعالم يهتم بالاعلام ولكن المسلمين متخلفون واذا اردنا صون كرامتنا ، والدفاع عن انفسنا فلابد من أن نسعى من أجل اقامة جهاز اعلامي يدافع عن حرماتنا . وفيما يتعلق بالمنهج الآخر، فلو افترضنا ان العالم قد ضاق بنا ، ولم يدعنا نتحدث عبر الاجهزة الاعلامية، فقاوم اجهزتنا الاعلامية، فعلينا ان تتبع المنهج الآخر هذا أي الاعلام الجماهيري، هذا المنهج الذي وضع أسامه الامام الحسين (ع) في كربلاء.

    تفاصيل منهج الاعلام الجماهيري :

    ترى ما هي تفاصيل هذا المنهج ، وكيف تدعو الناس على ضوئه ؟ الجواب على ذلك يتمثل في ان يكون كل واحد منا ومن ابناء الامة الاسلامية جهازاً اعلامياً، فهل تعلم ان البكاء على السبط الشهيد (ع) هو بحد ذاته اعلام ، فالانسان مجبول ومقطور على ان يجاري الباكي، فاذا ما بكى شخص امامك فان من الطبيعي ان تواسيه وتشترك معه في مشاعره. وقد أمرنا الاسلام بالبكاء وخصوصاً البكاء على السبط الشهيد، ويروى في هذا المجال ان ابن شبيب دخل ذات مرة على الامام الرضا (ع) فقال له (ع) : يا بن شبيب ان كنت باكياً لشيء فابك للحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) فانه ذبح كما يذبح الكبش .

    كذلك روي في الحديث :«من بكى وأبكى فينا واحدا فله الجنة، ومن تباكى فله الجنة » .

    والبكاء على السبط الشهيد (ع) ينبغي ان يكون بالعويل والصراخ أي بالاعلان والاعلام لا ان يكون في بيتك بل في المجالس العامة وهذا هو الاعلام المؤثر في النفوس. والوسيلة الأخرى في هذا المجال أنك عندما تشترك كشخص في مجلس حسيني حتى وان كان على قارعة الطريق فان مساهمتك في هذا المجلس هي بحد ذاتها اعلام عن مظلومية الحسين (ع)، ودفاع عن كل المظلومين في الأرض، وعن كل القيم التي من أجلها استشهد ابو عبد الله الحسين (ع).

    اما بالنسبة إلى المسؤولية التي يتحملها الخطباء في هذا المجال فنحن كنا نمتلك على امتداد اربعة عشر قرناً جهازاً اعلامياً خاصاً بنا يتمثل في خطباء المنبر الحسيني غرسوا في نفوسنا حب المظلوم، وكراهة الظالم، وقيم الحق والعدالة، ووصيتنا لهؤلاء الاخوة تتمثل في النقاط التالية : ضرورة الاكثار من خطباء المنبر الحسيني :

    1 - الاكثار من عددهم وذلك عبر اهتمام الناس بهذا الحقل الاعلامي الهام، فقد كانت هناك دعايات اجنبية مغرضة تحاول الحط من شأن هؤلاء الذين هم الدعاة حقاً الى الله تعالى، ولذلك فقد كانت تلك الدعايات تحاول صرف الناس عن هذا المجال، في حين ان علينا ان نترقب الناس فيه لكي يشجعوا ابناءهم على ان يصبحوا خطباء حسينيين. ترى لماذا يمنع الآباء ابناءهم من طلب العلم ، ولماذا يشجعونهم عليه ؟ ان من دواعي شرف وفخر الوالدين والعائلة ان يبرز بينهم من يدعو الى الله و يدافع عن الحسين (ع).

    وللأسف فان ابا عبد الله ما يزال مظلوماً الى الآن، ففي البلدان العربية ، وفي الحجاز موطن أبي عبد الله الحسين (ع) يصدر كتاب في الدفاع عن (يزيد) ! كما ان قبور أئمتنا في البقيع ماتزال مهدمة، أو ليس الحسين (ع) مظلوماً بعد ذلك ؟ ، أنه ما يزال يستصرخنا، وما يزال صوته يدوي في الأفق ؛ هل من ناصر ينصرنا ؟ فلماذا لا تنتصر له اذا اردنا ان نحظى بشفاعته ؟ ومن جهة أخرى فان المنبر الحسيني ينبغي ان لا يكون حكراً على فئة خاصة، فكل من يستطيع ارتقاء المنبر ودعوة الناس الى القيم التي دافع عنها السبط الشهيد لابد ان يفعل ذلك دون تردد ، فالمنبر لكل داعية وعالم . ضرورة تطوير الحديث عن ثورة الحسين (ع) :

    2 - الوصية الثانية تتمثل في ان يطور هؤلاء الاخوة احاديثهم ، فلابد ان يتحدثوا عن أبي عبد الله الحسين (ع) وكأنه بينهم، فالحسين تتجدد في كل عام حياته ودعوته وتتجدد صرخته ، ولابد ان نعلن للناس عن هذه الحقيقة ، فالحسين لم يكن للجيل الذي عاش فيه، بل هو لكل الاجيال ، ولذلك ينبغي ان تشرح واقعة كربلاء وكأنها وقعت هذا العام، وإن تربطها بالمجازر التي تحدث ضد المسلمين في العالم. وبالطبع فاني لا اقصد هنا ان تترك الواقعة التاريخية لنتحدث عما يجري حولنا فقط ، بل اعني أن نبين الواقعة لتكون مثلاً ورمزاً للاحداث التي تقع في كل يوم ، فتلك الواقعة التاريخية هي في الواقع صورة مكتملة الجوانب والابعاد عما يحدث في العالم، فلابد اذن من ان ننظر الى ما يحدث من مجازر ومأسي في عالمنا من خلال واقعة كربلاء، ومن خلال القيم التي نهض من اجلها ابو عبد الله الحسين (ع) ، لكي لا يتجرأ أحد للدفاع عن طواغيت العصر.وهكذا فاننا اذا فصلنا الواقعة التأريخية عما يحدث أو فعلنا العكس فان الطلاق بين الحقيقة والواقع وبين القيم وتطبيقات القيم على الأرض، وهنا تحدث تلك الحالة التي وقعت عند بعض المسلمين فيصعد احدهم المنبر الحسيني ليمنع الناس من العمل في سبيل الله والجهاد والتضحية، فيدافع بعمله هذا عن يزيد لا عن الحسين، لان الاخير لم يعد رمزه ومثله .
    الحسين (ع) ثورة ممتدة :

    ان الحسين (ع) لم ينته ولا يمكن ان ينتهي ، وثورته ممثلة ، ونحن نجدد ذكرى كربلاء وعاشوراء كل عام بل كل يوم لان الحسين (ع) يعيش بيننا وندائه يملؤ آذاننا، ودعه في عروقنا، ولذلك فان علينا ان نهتم بالاعلام الجماهيري وذلك من خلال صنع المنبر الحسيني المتكامل الابعاد الذي انما تصنعه بتطويره، والتطوير هذا يحدث بان نجعله يعايش الزمن. وعندما يحدثنا الله - سبحانه عن المسيرة الايمانية في التاريخ فانه يكشف لنا عن مدى اجتهاد أئمة الكفر واشياع الضلال من اجل دحض الحق بالباطل ، تأملوا مثلاً قوله - تعالى في سورة غافر : «كذبت قبلهم قوم نوح والاحزاب من بعدهم وهقت كل القمة برسولهم ليأخذوه »

    فقد كانت همة الامم الضالة منصبة على اعدام رسلهم، أي اعدام الدعاة إلى الله الذين كانوا يدعونهم لنبذ الباطل، ثم يستأنف - تعالى قائلاً : «وجادلوا بالباطل ليد حضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب » . ونحن نبشر كل الطغاة في العالم بعذاب اليم ينتظرهم، فالله - تعالى سينتقم لعباده المؤمنين، وستجدون كيف ستضيق الأرض بأولئك الطغاة الباغين الخارجين عن الاسلام الذين باعوا شرفهم وكرامتهم وقيمهم وكل ما يملكون للمستكبرين، فلينتظروا قليلاً وسيرون ان يوم المظلوم على الظالم اشد من يوم الظالم على المظلوم.
    📚 إن الحسين مصباح هدى وسفينة نجاة.
    سماحة آية الله العظمى المرجع المجدد السيد محمد تقي المدرسي دام ظله