cd58bb0f56fc1949e1459916c27b6105.png

    عاشوراء نهضة خالدة

    30 يونيو 2026

    عاشوراء نهضة خالدة

    لماذا بقيت واقعة الطف حية مشتعلة في النفوس طيلة القرون الطويلة ؟ فكل عام تستقبل هذه الواقعة التاريخية وكأنها قد وقعت بالأمس ، وجواباً على هذا التساؤل نقول ان هناك أسباباً مختلفة نستعرض طائفة منها : السبب الغيبي الخلود ثورة الحسين (ع) :

    1 - السبب الغيبي : فارادة الله - تعالى - شاءت أن تبقى هذه الظاهرة مع الزمن ذلك لان الحسين (ع) اعطى كل ما كان يملك في سبيل الله ، فمنحه تعالى لسان صدق في الآخرين، وجعل له حرارة في قلوب المؤمنين لا تنطفىء ابداً، وقد روي في هذا المجال ان فاطمة الزهراء (ع) تأتي قبيل شهر محرم فتحمل تحت العرش قميص الحسين المضمخ بدمه، فيمر نسيم ليحمل معه عبقاً تلتقطه مشام المؤمنين، فتشتعل نفوسهم حباً للحسين (ع) ، وتفيض قلوبهم بتلك المأساة المفجعة ، واذا بها تتجدد في كل عام.

    ونحن لا نعرف بالضبط معنى هذه الرواية ولكننا نشاهد عملياً أن المؤمنين ومحبي اهل البيت (ع) يشعرون على اعتاب شهر محرم الحرام بأنهم يعيشون حالة جديدة، وان موسم الدمع والدم، والعزاء والتحدي ، موسم الجراح التي نزفت وما تزال تنزف قد أقبل عليهم، فيشعرون بدافع قوي يدفعهم لان الامام الحسين (ع) يجدد هذه الذكرى على افضل وجه.

    ثورة الحسين لخصت رسالات السماء :

    ٢ - ان الحادثة التي وقعت في كربلاء خلال ساعات معدودة في اليوم العاشر من شهر محرم الحرام عام ٦١ هـ قد لخصت رسالات السماء، فأنت تقف امام الضريح المقدس السيد الشهداء (ع) فتقول : السلام عليك يا وارث آدم صفوة الله ، السلام عليك يا وارث نوح نبي الله ، السلام عليك يا وارث ابراهيم خليل الله، السلام عليك يا وارث موسى كليم الله ، السلام عليك باوارت عيسى روح الله، السلام عليك يا وارث محمد حبيب الله ..... وهكذا فان جميع الأئمة الاطهار قد ورثوا رسل الله ، فيحق لك ان تقف عند ضريح كل واحد منهم وتردد نفس تلك الكلمات، ولكن الأمر يختلف بالنسبة الى زيارة وارث التي وردت في زيارة أبي عبد الله الحسين (ع)، ذلك لان وراثة الأنبياء تجلت في يوم عاشوراء، هذا اليوم الذي لا يستطيع ان يستوعب ابعاده انسان، فكلما جاء جيل وقف عند هذه الحادثة ليكشف فيها الجديد، ذلك لان تقدم الايام يجعل من هذه الحادثة أوضح مما كانت سابقاً ، فهناك ابعاد كثيرة في هذه الحادثة علينا ان نستكشفها ، فعلى سبيل المثال ماذا يعني الحصار الاقتصادي الذي ضرب على أبي عبد الله (ع) في كربلاء والذي شمل بالاضافة الى المؤمن حتى الماء الذي هو مباح لكل الناس.

    الجانب المأساوي لثورة الحسين (ع) :

    ونحن نعرف ان حادثة الطف وقعت في اوائل الخريف، وان الفرات يحدث فيه خلال هذه الفترة شبه فيضان، وفي ذلك العصر كانت اراضي كربلاء والغاضريات ونينوى وشاطىء الفرات مجموعة اراض متقاربة ومنضمة الى بعضها البعض، كما ونعلم ان الامام الحسين (ع) قتل بين النواويس وهي قطعة أرض .

    اما كربلاء فقد كانت قطعة ارض أخرى ، وقد دفن الحسين (ع) في كربلاء، وقد كانت تلك الاراضي مزروعة كلها في تلك الايام ، ونحن نستنتج من ذلك ان المياه كانت فائضة اي ان الماء كان يغطي الأرض ، وقد كان شط الفرات الذي يمر بهذه الاراضي نهراً كبيراً تسير فيه السفن الشراعية في تلك الايام .

    ومع كل ذلك ومع وجود تلك الخيرات وتلك المياه الغزيرة منعوا الماء ولو بمقدار قطرة واحدة عن الوصول الى اطفال الحسين (ع)، انه امر لا يمكن استيعابه، وهناك امر آخر لا يقل غرابة يتمثل في ذلك الجيش الكبير الذي ارسل الى كربلاء المحاربة الحسين (ع) ، لقد كان هذا الجيش يتكون - على اقل التقديرات - من ثلاثين الف جندي مسلح بكامل الاسلحة ، بل ان جيوش يزيد كلها كانت تحت الانذار الحرب أبي عبد الله الحسين (ع) الى درجة ان الرجل الواحد من اصحاب الامام الحسين (ع) كان يواجه النفير العام من قبل الاعداء عند الهجوم عليهم ، وعلى سبيل المثال فان العباس بن علي (ع) عندما حمل على المشرعة حدثت حالة من الفوضى والبلبلة بين صفوف العدو ولذلك فان القائد العام لجيش بني امية (عمر بن سعد) - لعنه الله - اعلن حالة النفير العام ؛ اي انه امر الجيش كله بالهجوم على العباس (ع) .

    ترى ماذا يعني ذلك ؟ ربما نجدالجواب عند الشاعر العلوي الملهم:

    قسماً بصارمه الصقيل وانني لولا القضاء لمحى الوجود بسيفه في غير صاعقة السماء لا أقسم والله يقضي ما يشاء ويحكم

    فقد بلغت شجاعة العباس (ع) مبلغاً جعلته يواجه ابطال وصناديد العرب الذين كانوا يمثلون آنذاك القوة العسكرية الأولى في العالم ، ولذلك نقول ان عاشوراء لخصت جميع رسالات السماء ، ولذلك كانت هذه الواقعة ممتدة عبر الزمن ، لأنها أكبر من الزمن، واكبر من قدرة الانسان على الاستيعاب ، ونحن الآن لم نستوعب جميع ابعاد حادثة الطف ولذلك تبقى في قلوبنا بقية ألم ، وتبقى قلوبنا تنزف وتنتظر العام القادم لكي تكمل المشوار، فتجدد بذلك هذه الحادثة كل عام.

    📚 إن الحسين مصباح هدى وسفينة نجاة.