photo_2026-06-13_22-38-53.jpg

    عاشوراء والاصلاح الشامل في الامة

    25 يونيو 2026

    عاشوراء والاصلاح الشامل في الامة ليس في هذه الدنيا سوى سبيلين ؛ سبيل الهدى الذي يؤدي بالانسان الى رضوان الله وجناته ، وسبيل الضلال الذي يقوده الى الجحيم ، ولكل سبيل جهة وامام وامة ، وجهة سبيل الله هي رضوانه - تعالى ، والذين يقودون الناس في هذا السبيل هم الانبياء وأئمة الهدى، اما صبغة هذا السبيل فتتمثل في التوحيد الذي هو صبغة الله ومن احسن من الله صبغة.

    الصراع بين الهدى والضلال ابدي : والصراع قائم ابداً بين هذين السبيلين، وكلما كان قلب الانسان زكياً طاهراً من رواسب الشرك ووجهته وصبغته ، ومن الولاية للشيطان واوليائه كان اقرب الى الله حتى يصبح من حزبه ؟ أي من التجمع الذي يؤيده الله و يسدده ، وهذا هو حزب الله ، وكم هي عظيمة فضيلة الانسان الذي يسمو حتى يبلغ مستوى حزب الله ، فهذا الحزب لا يدخله الا من صفا قلبه ، كما يشير الى ذلك - تعالى - في الآية الأخيرة من سورة المجادلة : : « لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله » فلا يمكن ان يجتمع في قلب الانسان الواحد الايمان بالله والرسول والولاية لاعداء الله.

    فهل يمكن ان نتصور اجتماع الجنة مع النار؟ كلاً بالطبع ؛ فالقلب المؤمن متميز عن ولاية الكفار، فاذا كان الانسان مؤمناً فمن المستحيل ان يواد من حاد الله ورسوله ، ولو كان من آبائه أو ابنائه أو اخوانه أو عشيرته ... فحزب الله يفصلك عن كل الانتماءات، كالانتماء الى العشيرة والوطن والاقليم والمهنة لتكون صبغتك الحقيقية صبغة التوحيد.

    فنحن ننتمي الى العشيرة - مثلاً - في ظل التوحيد ، اما اذا كانت هذه العشيرة كافرة فلا يجوز لنا ان ننتمي اليها ، ولا يجوز ان نحبها ونوادها . يروي لنا التأريخ ان بعض المسلمين قتلوا في سبيل الله آباءهم في معركة بدر، فهذا الاستعداد للتضحية يرفع الانسان المؤمن الى مصاف حزب الله ، أما الطرف الآخر فهو الحزب الذي استحوذ على افراده الشيطان، فأنساهم ذكر الله ، فهم يقومون بالأعمال الباطلة ، واذا ذكرتهم بالله لا يتذكرون، ولا يرتدعون ، على عكس الانسان المؤمن الذي تصفه الآيات القرآنية بقولها : : « انما المؤمنون الذي اذا ذكر الله وجلت قلوبهم واذا تليت عليهم آياته زادتهم ايماناً وعلى ربهم يتوكلون» . والذي ينتمي الى حزب الشيطان تراه دائماً في حالة صراع مع الله ورسوله يحادون الله ورسوله ومن يعيش هذه الحالة فانّما هو في الاذلين، لان الله تعالى يقول بصراحة : « كتب الله لا غلبن أنا ورسلي ان الله قوي عزيز ».

    الامام الحسين القيادة العليا لحزب الله :

    والامام الحسين (ع) يمثل القيادة العليا لحزب الله ، فالانتماء اليه (ع) هو في الحقيقة انتماء الى حزب الله ، ذلك لانه تخلى عن جميع علائقه الدنيوية في لحظة واحدة.

    فالانسان قد يضحي في الوقت الواحد بشيء واحد، ولكن الامام الحسين (ع) ضحى بكل شيء في وقت واحد، فهو قد جسد المفهوم الحقيقي للتوحيد، وكان رمزاً للتضحية والفداء الى درجة أنه ضحى بطفله الرضيع ، وابناء اخيه ، وكأن الامام الحسين (ع) كان يبحث عن أي شيء يقربه إلى الله تعالى . وعندما أراد ولده زين العابدين (ع) دفنه في اليوم الثالث من مقتله لم يستطع حمله ، فقد كان كلما حمل عضواً سقط عضو، حتى هييء له الحصير، فوضع عليه ، ثم أدخل (ع) القبر في حين كانت جراحة تنزف دماً ...

    الامام الحسين رمز التوحيد :

    وهكذا فقد كان الحسين (ع) رمزاً للتوحيد، وكان القيادة المثلى لحزب الله ، ومن الجدير بالذكر هنا ان حركته (ع) كانت كحركة الانبياء، فقد كانت حركة جذرية لم يهادن او يداهن فيها مطلقاً ، فقد كان يريد ان يقوض الكيان الجاهلي الفاسد بكل تفاصيله، ليبني مكانه القيادة الاسلامية الرشيدة، وهذه هي الحالة الجذرية، فالاصلاح الكامل هي صفة من صفات الانبياء، فهم عليهم السلام يسيرون على خط واضح وعلى بصيرة، وهذه البصيرة تنفعنا في حياتنا كأشخاص، فينبغي علينا ان لا نفتش عن الاهداف الدنيئة، وعن الاصلاحات الجزئية، فلنفكر في تغيير انفسنا بالاتجاه الصحيح ، لأننا لن نستطيع ان نصلح انفسنا بقوتنا وحولنا ، بل بحول الله - تعالى وقوته . فلتكن همتنا عالية سامية، ولنحاول ان نستفيد من كل شيء بأعلى درجة، وعلى سبيل المثال لماذا لا تحاول ان نجعل صلاتنا رفيعة المستوى ، ولماذا لا تحاول ان نجعلها صلاة الخاشعين، فالصلاة هي التي تقربنا الى الله زلفى ، وهي التي تحملنا الى الجنة ... فلنعمل الاعمال الصالحة بروح ومحتوى، وهذا الذي نتعلمه من الامام الحسين (ع)، فلنتعلم ونحن نشترك في مجالس عزائه كيف تخشع قلوبنا ، وتدمع عيوننا ، ونصنع جواً ايمانياً نتزود منه ، فنحن نقف على شاطيء ماء فرات لابد ان نرتوي منه لأن امامنا طريقاً طويلاً لابد ان نتسلح منه المقاومة الشهوات، والمحاربة الفتن. فلنشارك في المجالس الحسينية ونحن نمتلك همة عالية ، ولنكن حسينيين قلباً وقالباً، وعلماً وعملاً، والله - تعالى - سوف يعطينا بدوره من خلال الحسين (ع) ما نريد ، لان بابه مفتوح ، ورحمته واسعة ...

    حل جذري :

    هذا بالنسبة الى الاشخاص، أما بالنسبة الى العالم السياسي فعندما يكون العمل ظاهرياً فاننا لا نستطيع ان نقتلع - المشاكل من الجذور، ولا يمكن ان تنفعنا في هذا المجال طريقة المداهنة والمساومة، فهي السبب فيما تعانيه امتنا من المشاكل.

    فالحلول الجذرية - اذن هي الحلول التي تستطيع ان تغير وجه التأريخ ، لأنها تقتلع المشاكل التي نعاني منها من الجذور، فالحل الجذري في العالم السياسي هو ان نقتلع الازمات والمشاكل من جذورها ، وان نحارب المرض محاربة جذرية.

    ونحن نتعلم كل ذلك من الامام الحسين (ع)، فنهضته استطاع ان يقتلع جذور بني امية اقتلاعاً، فحولهم الى لعنة التأريخ، وامثولة الدهر، ومرجم يرجمه البشر باللعنة ، والملائكة بالويل. وهكذا استطاع أبو عبد الله الحسين (ع) ان يغير وجه التاريخ بنهضته الجبارة العملاقة ، وهذا النهج هو الذي ينبغي أن نجعله قدوة لنا ، ونعمل به .

    📚 إن الحسين مصباح هدى وسفينة نجاة.

    سماحة آية الله العظمى المرجع المجدد السيد محمد تقي المدرسي دام ظله