photo_2026-06-18_19-01-45.jpg

    كربلاء مدرسة الانتصار على الذات

    02 يوليو 2026

    كربلاء مدرسة الانتصار على الذات

    ان النفس البشرية هي كل لا يتجزأ، والحقول المختلفة للحياة تتفاعل مع بعضها لتكون حياة واحدة مركبة من كافة العوامل.

    والثورة هي نتاج كل العوامل التي تتفاعل في الحياة، والضغوط التي تؤثر على النفس، والثورة الرسالية هي التي تستلهم قيمها من قيم الله كثورة سيد الشهداء الامام الحسين (ع)، وهذه الثورة تؤثر في الحياة الاجتماعية بقدر انعكاسها على النفس البشرية، فالنفس تصفو بالثورة ، والثورة بدورها هي نتيجة الصفاء النفسي، وكما ان الثورة تستهدف ازالة النفاق والفساد الاجتماعي من واقع الحياة، فهي أيضاً تهدف الى القضاء على النفاق والفساد في النفس البشرية.

    الانتصار هو تجاوز الضعف البشري :

    ان الذين ينتصرون على أنفسهم وضعفهم، ويتغلبون على ترددهم في الحياة، ويكتشفون ما أودع الله في كيانهم من كنوز العقل والارادة والضمير الحي النابض، ان هؤلاء منتصرون لا محالة على قوى الشرك والضلالة والجهالة في المجتمع.

    والصراع الاجتماعي النابع من ارادة حرة، وضمير انساني، وعقلية واعية ، هذا الصراع يهديه الى الصراط المستقيم، كما اشار الى ذلك - تعالى : «والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا » . وعملية الجهاد أو الصراع هي عملية مواجهة الفساد الاجتماعي، هذه المواجهة التي تقتلع من النفس البشرية جذور الفساد والنفاق والانحراف ، ذلك لان للانسان قوة خارقة في الخداع الذاتي.

    فبالرغم من أنه تحمل مسؤولية رفضت السماوات والارض والجبال تحملها، واشفقن منها ، الا ان نفسية هذا الانسان ظلومة كفارة، تحاول ان تحجب الحقيقة عن ذاتها بأن تخدعها وتخدع من حولها ، ولذلك فان كل انسان ينطوي في داخله على نسبة كبيرة من النفاق ومما يزيد الطين بلة ان موعظة الناصحين وهداية المؤمنين، وتلاوة آيات القرآن بل وحتى صدمات مآسي الحياة لا تستطيع ان تنتزع من النفس البشرية جذور النفاق، فيبقى الانسان منافقاً بالنسبة الى ذاته وغيره، وتبقى جذور الانحراف حية في نفسه، فأنى عادت اليه الحياة الطيبة المترفة عاد منحرفاً عن طريقه .

    طبيعة الانسان كما يرسمها لنا القرآن :

    ويحكي لنا القرآن الكريم طبيعة الانسان هذه من خلال الصورة التي يرسمها لنا عن أولئك الذين ركبوا في البحر، وجرت بهم ريح طيبة ففرحوا بها، ثم أحاطت بهم العواصف والامواج من كل مكان، فتساقطت امام اعينهم الأوهام ولم يعودوا يشركون بالله شيئاً : «دعوا الله مخلصين له الدين، فلما نجاهم الى البر اذا هم يشركون » .

    فقبل قليل كانت نفوسهم وقلوبهم وكل وجودهم متوجهاً الى الله - تعالى يستمدون منه العون، ويدعونه مخلصين، ولكنهم سرعان ما ينسون أو يتناسون كل عهودهم ومواثيقهم ليعودوا مشركين ! ويبين لنا القرآن ما هو اغرب من ذلك عندما يرى الانسان بأم عينه اهوال الموت، وفظائع القبر، ثم عذاب الله يوم القيامة ، ومع ذلك فانه لو اعيد الى الدنيا لعاد الى ما كان يفعله سابقاً من ذنوب : «ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه أنهم لكاذبون » وهذه هي طبيعة النفس البشرية وطغيانها ، فكيف يمكننا القضاء على هذا النفاق والخداع او الطغيان النفسي ؟ لا يمكننا ذلك الا من خلال خوض الصراع والجهاد، فبواسطة المحاولات المتكررة والمستمرة يتم تغيير الحياة واصلاحها، ويتم للانسان التغلب على طغيان نفسه، فالملاحظ ان الناس كلما اسقطوا صنماً حجرياً قائماً في الحياة الاجتماعية فانهم يسقطون بموازاته صنماً من الاخلاق الفاسدة في انفسهم، فعندما تحارب طاغوتاً ، او نظاماً فاسداً، أو مؤسسة اجتماعية منحرفة فاننا نحارب بقدرها وبموازاتها طغياناً وانحرافاً في انفسنا ، وصنماً قائماً في ذواتنا .

    ولا يمكن للانسان ان يقول في البدء ان عليه اصلاح نفسه، واسقاط الطواغيت المتراكمة داخل ذاته كالخوف والكسل والفشل والجبن، ومن ثم يقضي على طاغوت الالحاد والفساد في المجتمع، ذلك لان العملية تفاعلية ، ففي كل خطوة يجب علينا القضاء على طاغوت في انفسنا في نفس الوقت الذي نقضي فيه على طاغوت في المجتمع.

    احياء ذكرى عاشوراء وسيلة لتزكية النفس :

    وعندما تجلس في محفل من محافل ذكر الامام الحسين (ع) وثورته الخالدة التي هي خلاصة الثورات الانبياء، وامتداد لرسالات الله ، فاننا انما نفعل ذلك التصفية انفسنا، وتزكية ذواتنا، فهذه الدموع التي تجري على مصاب السبط الشهيد من شأنها ان تغسل قلب الانسان، وتزيل الصفات السيئة من نفسه ، فترى الانسان يلتحم من خلال هذه الدموع، وبفضل هذه التزكية مع روح الحسين (ع) صاحب البطولات النادرة ، أي مع تلك النفسية التي انتصرت على كل عوامل الضعف البشري.

    ان هذه الدموع هي وسيلة تلاحمنا ، وأسلوب تفاعلنا واتصالنا بينبوع فيض الحسين (ع)، وفيض اهل بيت النبوة، واصحابه ، وهكذا الحال بالنسبة الى كل نوع من انواع تجديد ذكرى ابي عبد الله الحسين (ع) فانه يجعلنا أكثر تفاعلاً مع هذه المأساة، وبالتالي اكثر استيعاباً لدروسها ، ونجاحاً في القضاء على نفاقنا وخداعنا الذاتيين. ان الامام الحسين (ع) هو حجة الله علينا يوم القيامة، فماذا تعني الحجة ؟ أنها تعني ان الله - تعالى - الذي خلقنا وخلق الامام الحسين (ع) ومنحه تلك المواهب، قادر على أن يتفضل بمثل تلك المواهب علينا ، ومن ضمن هذه المواهب صبره وتحمله في ذات الله رغم المصائب الكبيرة التي تحملها في يوم عاشوراء ، ذلك لأنه (ع) كان متصلاً بقدرة الله ، وقد تجلى ذلك في مصيبة ابنه علي الاكبر، وفاجعة الطفل الرضيع الذي ألهب الجوع والعطش والحر قلبه وكبده الصغيرين، وعندما يطلب الامام الحسين (ع) شربة من الماء لهذا الطفل يطره الاعداء بوابل من السهام الغادرة فيذبحونه على صدر أبيه .

    كيف انتصر الامام الحسين (ع) على الضعف البشري ؟

    ترى هل يوجد قلب بشري قادر على ان يتحمل مرارة هذه المصيبة وألمها ؟ ولكن الامام الحسين (ع) يمسك بالدم، ويرمي به نحو السماء قائلاً :كيف انتصر الامام الحسين (ع) على الضعف البشري ؟ ترى هل يوجد قلب بشري قادر على ان يتحمل مرارة هذه المصيبة وألمها ؟ ولكن الامام الحسين (ع) يمسك بالدم، ويرمي به نحو السماء قائلاً : : «هون علي مانزل بي أنه بعين الله » . وهنا أسألك ايها الانسان - ولا أقول ايها المسلم او الموالي ؛ كيف انتصر الامام الحسين (ع) على عوامل الضعف البشرية في ذاته ؟ كيف انتصر على حبه العميق او بالاحرى على شفقته الشديدة كأب تجاه ابنه الرضيع ، ونجله الشاب الوسيم الذي رآه امامه مقطعاً بالسيوف ارباً ارباً ؟ كيف انتصر على هذه العوامل كلها وهو بشر، وكان صامداً كالطود العظيم ازاءها ، بل ويتهلل وجهه الكريم انشراحاً كلما ازدادت مصائبه ؟ لا شك ان ذلك كان لارتباطه العميق برب العالمين، لأنه يرى ان هذه المصائب هي الجسر الذي يربطه بالخالق - تعالى-، ويقربه اليه زلفى ، فلماذا لا تنتصر انت ايها الانسان على ضعفك ؟ ان الحسين (ع) هو حجة الله علينا ، فكلما نجلس ونذكر ثورثه (ع) ، ونعظم فيه هذه البطولة كلما ندين ضعف انفسنا ، ونحثها على سلوك الطريق الذي سلكه الامام الحسين (ع) للانتصار على ضعف انفسنا ، وهذا هو الدرس الاعظم الذي يستطيع كل انسان ان يستوعبه من سيرته (ع) .
    📚 إن الحسين مصباح هدى وسفينة نجاة.
    سماحة آية الله العظمى المرجع المجدد السيد محمد تقي المدرسي دام ظله