IMG_20260708_094312_840.jpg

    كربلاء مدرسة الرسالة

    11 يوليو 2026

    كربلاء مدرسة الرسالة

    في كل عام يستقبل العالم الاسلامي بداية السنة الهجرية التي تصادف في نفس الوقت بداية شهر الدم والتحدي ، شهرم محرم الحرام، وفي هذه المناسبة يتساءل المرء : ما هي أهم الواجبات والمسؤوليات التي يجب عليه ان يقوم بها خلال هذه المناسبة الكريمة والهامة ألا وهي شهر محرم الحرام، ذلك الشهر الذي تتفجر فيه كل عام ثورة حسينية جديدة تستلهم من بطولات ابي عبد الله الحسين (ع)، ومن ايثاره وتضحياته، وتحديه للطغاة المفسدين في عصره، فماذا يجب علينا ان نفعل ونحن نستقبل هذه المناسبة في كل عام ؟

    ثورة الحسين (ع) ضمانة انتشار الاسلام :

    قبل ان نجيب على هذا السؤال الذي هو محور هذا الفصل لا بد ان نقول ان الاسلام بعث رسالة للبشرية كافة وما أرسلناك الا كافة للناس» فالعرب والعجم، والبيض والسود في مشارق الأرض ومغاربها لابد ان يستفيدوا من هذه الرسالة، والى ان تنتشر هذه الرسالة في كافة ربوع الأرض يبقى الانسان المؤمن يشعر بتقصيره، ومسؤوليته تجاه هذه الرسالة .

    وقبل ان يعم السلام العالم، ويثأر المؤمنون لدم ابي عبد الله الحسين (ع) تحت لواء ابنه الامام الحجة (عج) ، قبل كل ذلك تظل مصيبة الحسين (ع) تغمر قلب الانسان المؤمن، فتتحول في النفوس الى اندفاع نحو رسالة الاسلام، فما دامت الرسالة الاسلامية رسالة عالمية، تبقى المسؤولية الرسالية عند الانسان المؤمن كما هي. وهنا نتساءل : ما الذي يحافظ على اندفاع هذه الرسالة العالمية لكي لا تبتلعها النفوس الكسولة ، ولا تغطي عليها التبريرات غير المنطقية ، ولا تظللها حالة السكون واليأس عند الانسان، ولا يركن حملتها الى الراحة والدعة ؟ الاجابة ببساطة : ان واقعة كربلاء هي تلك الشعلة التي تحافظ على حيوية الرسالة، وعلى اندفاع المؤمنين بها، فهذه الواقعة كانت مقدرة عند الله تعالى- منذ خلق آدم، وتقديره هذا لا يعني الجبر والاكراه للانسان ، بل يعني وجود واجب شرعي يكلف به ابو عبد الله الحسين (ع) بصفته اماماً ووريثاً لجده النبي (ص) ، فالبشرية لا تستطيع ان تعلو مرة واحدة الى قمة التسامي والعلو الالهي، فتلك الانبعاثة الالهية التي انطلقت من غار حراء لابد ان يخبت نورها في النفوس، ولابد ان يطغي عليها الجاهليون مرة اخرى، وهذا هو التقدير الالهي الذي تعنيه عندما نقول ان الله - تعالى كان قد قدر منذ الازل واقعة كواقعة كربلاء . فالانبياء (ع) كانوا يتحدثون عن هذه الواقعة الواحد بعد الآخر، وكانوا يروون قصة كربلاء لاوصياتهم وهذا لا يعني الجبر والاكراه بل يعني وجود سنة الهيئة ملقاة على عاتق قادة البشر وسادتهم والمتهم منذ الازل.

    وعلى هذا فان هذه الشعلة هي شعلة ثورة الامام الحسين (ع) التي تعطي وقوداً لحملة الرسالة الالهية، وهي التي جعلت النبي (ص) يقول : «حسين مني وانا من حسين»، باعتبار ان الحسين (ع) ليس امتداداً لرسول الله (ص)فحسب بل تجديداً لرسالته ، وبعثاً جديداً لتلك القيم التي جاء بها من قبل الله - سبحانه وتعالى.. بعد تقرير الحقيقة السابقة يأتي هنا السؤال الآخر: لماذا لم تنتشر هذه الرسالة الالهية رغم وجود هذه الشعلة الهائلة في ضميرها ، فهناك الآن أكثر من ثلاث مليارات من البشر ما يزالون لا يؤمنون بالاسلام والامام الحسين (ع) ؟ الجواب على ذلك هو أنه لابد ان يبقى هناك هامش لارادة الإنسان، ولابد ان تبقى حريته محفوظة في مسيرة التأريخ ، وهذه الحرية الممنوحة للانسان والتي أساء البشر استعمالها هي المسؤولة عن عدم انتشار الرسالة لحد الآن في ربوع الارض ذلك لان المسلمين بل وحتى شيعة الامام الحسين (ع) لم يستغلوا هذه الرسالة بالقدر الكافي، فهم ما يزالون يعتقدون ان الحسين (ع) انما ينبعث في اليوم الاول من محرم لينتهي في العاشر منه ، وان وجوده مقتصر على المجالس الحسينية ! لابد أنكم سمعتم عن ذلك القسيس الذي قال لاحد علماء الدين في الهند ان الشيعة لا يحسنون استغلال تأريخهم، وعندما سأل عالم الدين عن السبب ، قال القسيس : لو كان لدينا شخص كالحسين لنصبنا على كل قارعة طريق علماً باسم الحسين تدعو من خلاله الناس الى الديانة المسيحية، واضاف هذا القسيس قائلاً : ان نبينا المسيح قد صلب فزرعنا الارض صلباناً فاينما تذهب تر صليباً ، في حين ان الحسين قد قتل بتلك الطريق المأساوية هو وخيرة اصحابه واهل بيته فماذا فعلتم له ! وهكذا فاننا ما نزال نجهل عظمة هذا الرافد الالهي والفيض الرباني، وعلى سبيل المثال لو كان شعبنا المسلم في العراق قد عرف قيمة الامام الحسين (ع) ، وتعلق بثورته ، وعاش هذه الثورة بأعماقه لما أنتكس الاسلام فيه ، ذلك لان المجالس والمواكب الحسينية كانت دون المستوى المطلوب.

    وعلى هذا فان المسؤول عن توقف الموجة الاسلامية في العالم، والمسؤول عن عدم الفهم الصحيح لثورة أبي عبد الله الحسين (ع)، وبالتالي عدم احتواء هذه الشعلة التي هي وقود انتشار الرسالة الالهية، المسؤول عن كل ذلك هو عدم فهمنا الحقيقة الثورة الحسينية.

    مسؤوليتنا ازاء نشر الرسالة الاسلامية :

    ونتساءل هنا : ما هو إذن - واجبنا ، وما هي مسؤوليتنا ؟ وهنا اقتبس من نهايات سورة الشعراء مجموعة من الافكار
    1 - ان الله - تعالى - يخاطب نبيه (ص) بلغة (اياك اعني واسمعي يا جارة) فيقول : « وانذر عشيرتك الأقربين» ، فكل مسلم مسؤول اولاً وقبل كل شيء عن عشيرته الاقربين، أي ينبغي ان لا ينتظر الواحد منا خطيباً يرقى المنبر ليتحدث عن ثورة الحسين (ع)، فكل واحد منا يجب ان يتحول الى خطيب ، ويتحدث عن ثورة أبي عبد الله (ع) سواء كان خطيباً أم لا ، وسواء ارتقى المنبر ام كان في مكان آخر. فليبدأ الانسان المؤمن بحمل رسالة الانذار ابتداء من اقاربه .
    ٢ - اذا كان صاحب الرسالة أي من يحمل الرسالة) جباراً عنيفاً يتبختر في الأرض، ويتخذ من الرسالة وسيلة لطغيانه واستعلائه على الآخرين ، فانه سيخسر رسالته ونفسه ، ولذلك لابدان يكون صاحب الرسالة وحاملها متواضعاً اشد ما يكون التواضع ، كما صرح بذلك - تعالى - في قوله : « واخفض جناحك للمؤمنين»، وكلامي هنا موجه الى الحركات الاسلامية ، والطلائع الرسالية العاملة في الساحة، وأنا ادعوهم الى ان يستفيدوا من هذه الذكرى المقدسة ،ذكرى ثورة أبي عبد الله الحسين (ع) ، وان يتعمقوا في الرسالة و يتفقهوا فيها ، ونتدبر في ما نقوله ، ونسأل انفسنا : هل طبقنا على انفسنا ما نقوله ؟ ان موضوع التواضع، والتوادد والايثار والاحسان وما اشبه ذلك من الاخلاق الرسالية الفاضلة التي أمر بها الاسلام لم تصغ لتنظيم العلاقة بين الافراد وانما بالدرجة الأولى لتنظيم العلاقات بين فئات المجتمع، ومجاميع الحركات الاسلامية، والمجالس والهيئات، فليس من التواضع مطلقاً ان اطرح نفسي لاغياً الآخرين، وان اعلن ان الذي يخالفني انما يخالف الدين ، فكل واحد لا يحق له ان يعمل الا من خلالي ! ان التواضع يجب ان يكون للحق، ولاخوتنا المؤمنين، فمثل تلك الكلمات يجب ان تسقط من قاموس العاملين في الساحة، فكل من يعمل صالحاً في سبيل الله هو اخ لنا ، فيجب ان نكون اذلة للمؤمنين اشدة على الكافرين، فالمؤمنون خلقوا من طينة واحدة، ومن نور واحد فبقدر ما يكون المؤمن متواضعاً لاخيه المؤمن، يتحدى الكافر ومن يعصي الرسالة ، فلا تأخذه في الله لومة لائم، ولا يهن ولا يحزن، ويثق انه الاعلى مادام مؤمناً ، فهو كالجبل يصمد امام الاعداء ، فنحن لابد ان نكون اقوياء في حملنا لرسالتنا «يا يحيى خذ الكتاب بقوة » ، لابد ان نحمل الرسالة بعزم وحيوية دون ان تهن وتتنازل عنها ، وعندما تتوفر فينا هذه الشروط فان الله - تعالى - سينصرنا لا محالة . الدعوة الى الله محتوى رسالتنا :
    ان الانسان بعين الله وتحت رقابته في جميع تحركاته ، فلندع الضغن والجبن، ولتدعو الى اهداف الثورة الحسينية، ولتحمل رسالتها إلى الآفاق، ولتتحمل في سبيل نشرها جميع المصاعب والصراعات ضد القوى الجاهلية، ولتعلم ان الحرب التي تعلنها ضد الطغاة انما هي وسيلة لتحقيق الاهداف الالهية كما أشار الى ذلك الامام الحسين (ع) في قوله : «اني لم اخرج اشراً ولا بطراً ولا مفسداً ...» ، فالدعوة الى الله هي محتوى رسالتنا، ومن الممكن ان نخوض في سبيل هذه الدعوة بعض الحروب والمعارك اذا اضطررنا إلى ذلك. وعلى هذا فان هناك من يشوش عليك وانت تنشر رسالتك ، فيثير ضدك الدعايات والافكار المضلة، فبعد انتصار الثورة الاسلامية في ايران وعلو موج الحركة الاسلامية في العالم الاسلامي تحركت عشرات الألوف من المؤسسات والاجهزة التي عملت على تشويش رؤية المسلمين للثورة الاسلامية مدعومة لا بالقوى المادية فحسب بل بالقوى الغيبية ذلك لان الغيب غيبان ؛ غيب الهي يؤيد المؤمنين الصالحين، وآخر شيطاني يؤيد المفسدين والطغاة كما يشير الى ذلك - تعالى في قوله : «ان الشياطين ليوحون الى اوليائهم ...» ، وفي هذا المجال يقول القرآن الكريم ايضاً :« هل انبئكم على من تنزل الشياطين ...» فالشياطين تتنزل على قلوب اعداء الله كما ان الملائكة تنزل على قلوب المؤمنين. ففي مقابل هذه الموجة الهائلة من الدعايات الجاهلية المضللة ، لابد ان تكون هناك موجات تقاومها وتعاديها وتمتلك القدرة على تحديها ، والى هذا يشير القرآن الكريم في قوله :« والشعراء يتبعهم الغاوون، الم تر أنهم في كل واد يهيمون، وانهم يقولون مالا يفعلون ، الا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيراً وانتصروا من بعدما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون» .
    وبناء على كل ذلك فاننا نحن الذين يجب ان نحمل راية الاسلام ونحن الذين ينبغي ان نرفع شعار« يالثارات الحسين» ، فننتقم بذلك من اعداء الرسالة الالهية الذين يمثلون قتلة الامام الحسين (ع) واصحابه واهل بيته في كل عصر وفي كل مكان، وحينئذ سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ، وستكون العاقبة للمتقين باذن الله - تعالى ..
    📚 إن الحسين مصباح هدى وسفينة نجاة.
    سماحة آية الله العظمى المرجع المجدد السيد محمد تقي المدرسي دام ظله