photo_2026-06-13_22-38-53.jpg

    كربلاء نهاية الانحراف

    08 يوليو 2026

    كربلاء نهاية الانحراف

    حسب الرؤية الاسلامية فان المجتمعات البشرية والحضارات الانسانية انما تفنى وتنتهي بسبب انحرافها عن الحق واختيارها طريق الباطل المناهض للقوانين والسنن الالهية التي تمثل الحق.

    وقد يكون الانحراف عن طريق الحق انحرافاً عسكرياً حسب المصطلحات الحديثة، فبدلاً من ان تكون السلطة السياسية الحاكمة على الناس منبعثة من ارادتهم الحرة الواعية، ومن سنن الحق السائدة في الكون، ومن رسالات السماء، تكون هذه السلطة بأيدي عسكرية لا تعرف الا منطق الارهاب والقوة.

    وقد يكون الانحراف انحرافاً اقتصادياً متجهاً الى الاستغلال والاستثمار فتكون السلطة السياسية حينئذ سلطة المستثمرين والمستغلين سواء كانوا اقطاعيين ام رأسماليين ام غيرهم. وقد تنحرف السلطة السياسية عن الحق لتتجه الى العنصرية المقيتة، وقد تنحرف في اتجاه آخر هو تحكيم سلطة المفسدين في الأرض الذين يضلون الناس عبر الكهنة والاخبار، وهي السلطة المعروفة اليوم في علم السياسة باسم « التيوقراطية »، والتي تختلف جذرياً عن القانون الاسلامي في السياسة شكلا ومضموناً.

    مصير الامم المنحرفة:

    ان تلك الانحرافات بشتى انواعها تؤدي بالمجتمعات الى الانهيار وهذا هو ما حدث بالفعل بالنسبة الى الحضارات السابقة كما يقص لنا القرآن الكريم، فهو يحدثنا عن اقوام عاد وفرعون وثمود واصحاب الايكة وقوم نوح، وكل واحدة من هذه الحضارات يضرب الله بها مثلا لنوع محدد من الانحراف عن الحق.

    ففرعون وقومه المتسلطون على شعب مصر كانوا منحرفين عنصرياً كما جاء في كتاب الله في قوله - تعالى« ان فرعون علا في الارض وجعل اهلها شيعاً يستضعف طائفة منهم يذبح ابناءهم ويستحي نساءهم انه كان من المفسدين »

    . وطبقاً لهذه النظرة العنصرية فقد كان النسل الأسرائيلي يهان في مصر سواء كان صاحبه موالياً للسلطة او مخالفاً لها. فالأقباط كانوا يعتقدون ان الدم القبطي افضل من الدم الأسرائيلي، وهذا الفكر لم يكن جديداً ولا بدعاً سواء في ذلك العصر أم في الوقت الحاضر، فنحن لا نزال نجد انحرافات عنصرية قائمة في الولايات المتحدة الاميركية، وجنوب افريقيا، واسرائيل بل في كثير من بلدان العالم حتى وان سميت هذه الأنحرافات باسماء اخرى. وقد كان قوم نوح (ع) على طبقتين، فكانوا يعتقدون ان الأراذل اذا اتبعوا قائداً فيجب على (الأكابر) أن لا يتبعوه كما قالوا ذلك لنوح (ع) : « قالوا انؤمن لك واتبعك الأرذلون ». وهذا المنطق كان سائداً ايضاً في عصر النبي (ص) ، حيث كان القرشيون يعتقدون ان اتباع المستضعفين للنبي (ص) ، دليل على عدم صدق النبي (ص) .لأنه لا يمكن ان يكون هناك نبي واحد للمستضعفين والأغنياء معاً فلم يكونوا يصدقون أن شخصاً كأبي ذر ينتمي الى قبيلة بدوية في الصحراء يمكن ان يتساوى مع ابي سفيان الى درجة ان عبداً يباع ويشترى كبلال الحبشي يجب ان يتساوى مع كبار قومهم. وهناك انحراف آخر قد يحدث في المجتمع ألا وهو انحراف قوم عاد الذي كان انحرافهم حسب ما تشير الى ذلك بعض الآيات الكريمة انحرافاً عسكرياً :«واذا بطشتم بطشتم جبارين » . أما قوم شعيب الذين عبر عنهم القرآن الكريم باسم «اصحاب الايكة » فقد انحرفوا انحرافاً اقتصادياً، فقد كان نبيهم شعيب (ع) يأمرهم ان يعدلوا في المكيال والميزان، وكذلك الحال بالنسبة الى قوم ثمود فقد اصيبوا بالأنحراف الاقتصادي ولكن من خلال الاسراف، فقد كان نبيهم صالح (ع) يأمرهم دائماً بتجنب الاسراف والترف. وقد ادى الأنحراف الاقتصادي هذا بقوم لوط الى الشذوذ الجنسي الذي كان عنواناً لسائر انحرافاتهم في الحياة. أما الانحرافات التي هي من نوع اتباع الكهنة والاحبار فقد كانت في أتباع قوم موسى (ع) الذين عبدوا رهبانهم واحبارهم من دون الله - تعالى..

    الانحراف يبدأ بسيطاً:

    ان الطامة الكبرى هي ان الأنحراف يبدأ بسيطاً، وفي غفلة عن وعي الناس، فالانسان لا ينحرف بوعيه وارادته ولا بكامل تصميمه وقراره، بل ان الشيطان يستدرجه في هذا الطريق، وعلى سبيل المثال فان عمر بن سعد او الشمر لم ينحرفا مرة واحدة، ففي البدء يرتكب الانسان انحرافات بسيطة،فالسارق لا يبدأ سرقته بسرقة الاشياء الكبيرة، بل يبدأ بالاشياء البسيطة وكذلك الحال بالنسبة الى الانسان الذي يبخس الناس في المكيال والميزان و يغشهم، حتى يصبح شيئاً فشيئاً سارقاً محترفاً، وغشاشاً ماهراً.

    وهذه هي طبيعة الانسان، فعندما جاءت عمرو بن العاص رسالة من معاوية تدعوه الى الالتحاق به رفض في البدء، واستشار ابنيه في ذلك فزهده احدهما ، وشجعه الآخر طمعاً في الدنيا فقبل نصيحة الثاني وقال له عمر وبكل وضوح : انت تريدني للدنيا، واخوك يريدني للآخرة، ولكن لماذا قبل عمرو نصيحة ابنه الثاني ؟ لأن خلفيات القبول كانت موجودة عنده، ولأن الأنحرافات كانت قد بدأت صغيرة عنده ثم تنامت حتى اصبح صاحبها في أسفل الأسفلين.

    وهكذا الحال بالنسبة الى الانحراف في الامة، فهو لا يظهر كبيراً في البدء فأعمال يزيد في كربلاء، وفي المدينة ومكة انما كانت بسبب انحرافات معاوية، فهوا الذي مهد الطريق ليزيد، وهو الذي سلط هذا الشاب المغرور الفاجر على رقاب المسلمين، ومعاوية بدوره لم يكن يحمل الانحراف في ذاته بقدر ما كان هذا الانحراف ناجماً من تسلط الأمويين على رقاب المسلمين في ايام عثمان، فالحزب الاموي كان يخطط للسيطرة على البلاد الإسلامية منذ البدء تحت إمرة ابي سفيان الذي جاء الى الامام علي (ع) بعد وفاة النبي (ص) وقال له : الأملأنها لك خيلا ورجالا، ولكن الامام (ع) رفض لانه كان يعرف مقاصده ونواياه.
    وهكذا كان هذا الحزب يعمل على استلام السلطة، كما اشار النبي (ص) الى ذلك في قوله : «اذا رأيتم معاوية هذا على المنبر فاقتلوه وما أظنكم تفعلون ذلك»، فالمؤامرات كانت محبوكة عندما جمع الحزب الأموي نفسه، ولملم خيوطه، وربط قياداته بقواعده منذ ايام النبي (ص)، فالأنحراف في الامة الاسلامية لم يبدأ في كربلاء، ولاحتى بالانقلاب العسكري الذي قادة ابن زیاد ضد مسلم ابن عقيل في الكوفة.📚 إن الحسين مصباح هدى وسفينة نجاة.
    سماحة آية الله العظمى المرجع المجدد السيد محمد تقي المدرسي دام ظله