IMG_20250203_230338_052.jpg

    كربلاء ينبوع الثورات

    06 يوليو 2026

    كربلاء ينبوع الثورات

    لقد شحنت كربلاء ارادة الامة بالعزيمة الراسخة بما بلورت من الاحاسيس الخيرة في الانسان، ذلك لان لهذا الانسان مخزوناً كبيراً من العقل والارادة والعاطفة، وهو غالباً ما يرحل عن هذه الدنيا قبل ان يستفيد من هذا المخزون الضخم.

    ان من اهداف رسالات السماء، ومصلحي البشر اثارة دفائن العقول ، وشحذ وتحريك الارادة والعاطفة، واستخراجهما من باطن الانسان الى واقعه ، وهذا ما فعلته ملحمة كربلاء بالضبط ، فقد كانت هي الطليعة والقدوة الجهد الانسان في تفجير مخزونه الارادي والعقلي والعاطفي، ففي زيارة الامام الحسين (ع) نقرأ عبارات من مثل :« السلام عليك يا قتيل العبرات، واسير الكربات»، فملحمة كربلاء مازالت تستذر دموع الناس عامة وخاصة الموالين، ومجالس العزاء كانت وماتزال تقام على مدار ايام السنة لا سيما في شهر محرم الحرام، كما ان ذكر الامام الحسين (ع) اصبح على كل لسان وفي كل مكان ومناسبة .

    سر خلود ثورة الامام الحسين (ع):

    وهنا يحق ان نتساءل : لماذا كان للإمام الحسين (ع) مثل هذا الخلود والحضور ؟، لقد قام (ع) بثورة ، وتحول هو نفسه مع مرور الزمن الى ثورة بل الى مفجر للثورات في ضمير الانسان، ولم يعد (ع) ذلك القتيل على رمضاء كربلاء، ولم تعد عاشوراء تلك الفترة المحدودة من الزمن، فلقد اصبح الامام (ع) رمزاً للثورة ، وحينما تذكره تجري دموعنا ، وتلتهب مشاعرنا وعواطفنا من حيث نشعر أو لا نشعر.

    وهكذا فقد تحول الامام الحسين (ع) من شخص الى رمز، ومن رمز الى مسيرة، ومن مسيرة إلى حقيقة ثورية ، وعندما نقول انه (ع) كان ثورة فهذا يعني ان كل قلب سيتفجر بالثورة عندما يرتبط بينبوع الامام (ع)، فحينما يُذكر (ع) تقفز الى الاذهان فكرة الشهادة والبطولة والفداء وكل معاني العمل من اجل الله - تعالى والمستضعفين والمحرومين في الأرض، وكلما تجددت ذكرى عاشوراء تفتحت ابصارنا ، وتفجرت طاقاتنا ، حيث ان ملايين البشر على امتداد الارض يتحولون في يوم عاشوراء تحولاً ثورياً يغذيهم بمعاني الثورة خلال السنة كلها .

    منذ اربعة عشر قرناً مضت والى الآن نجد الناس يستمدون من ثورة الامام الحسين (ع) معاني الثورة والاندفاع والتضحية ، مما يدل على ان هذه الملحمة قد تحولت الى مسيرة، والامام (ع) الى ثورة ، وهذا حدث هام في حياة البشر، ولكن السؤال المهم هو : اي ثورة اصبح الامام الحسين (ع)، وكيف اصبح ثورة، وفي أي مجال ؟

    في البدء ثورة على الذات :

    لقد كان (ع) في البدء ثورة على الذات، لأن أي انسان لا يستطيع الانتصار للرسالة دون ان يحقق انتصاراً على ذاته ، ونحن لا نريد ان ننتصر لانفسنا لان هذه فكرة خاطئة، بل نريد ان ننصر دين الله - تعالى، وهذا هو الهدف الاسمى، فاذا نصرنا دين الله ، فإن الله - تعالى، وجعل منا جسراً السعادة الآخرين وفلاحهم.

    وهناك حقيقة لابد للانسان الثوري ان يزرعها في نفسه وهي انه لا ينبغي له ان يستهدف الوصول الى الكراسي وبلوغ المراكز، بل عليه ان يعمل للآخرين لان نتيجة العمل من اجل الناس هي العمل الله - سبحانه، والى هذا يشير القرآن الكريم في قوله :« يا ايها الذين آمنوا ان تنصروا الله ينصركم ويثبت اقدامكم ». وهكذا فان الدرس الأول الذي يمكن ان تستوحيه من كربلاء الحسين (ع) هو ان النصر لله وحده ، لا النصر المؤدي الى الكراسي.

    واذا كان ثمن استقامة الدين الاسلامي هو دم الامام الحسين (ع)، فانه سوف لن يبالي بل سيدفع الثمن راضياً مطمئن النفس ، ولقد ورد عنه (ع) انه قال : «ان كان دين محمد لم يستقم الا بقتلي فيا سيوف خذيني»، رغم انه (ع) كان بامكانه ان يختار الطريق للخلاص من الموت، ولكنه صمم على مواصلة مسيرته الرسالية من اجل نصرة الله - تعالى والحق.

    التضحية يجب أن تكون شاملة : ونحن نستلهم من ذكرى عاشوراء التي تتجدد كل عام ان الانسان عندما يريد ان يهب نفسه الله فلا يجب ان يطلب لنفسه شيئاً مما وهب لان الافضل ان يهب الكل، لأن عليه ان يسقط من فكره الذاتية ، فاسقاط الاعتبارات الذاتية هو الهدف الذي من اجله ثار الامام الحسين (ع) في كربلاء، فلقد اعطى (ع) جميع من حوله الاذن بالمبارزة، وقد كان علي الاكبر (ع) اول من بارز وهو احب ابنائه الى قلبه، فبقدر التصاق الأئمة والمصلحين بمبادئهم ورسالاتهم يلتصقون بالمعاني الانسانية، فهم يبلغون القمة في شفقتهم على ابنائهم، لا سيما اذا كان الابن يمثل في ذاته رسالتهم مثل علي الاكبر (ع) الذي كان اشبه الناس خلقاً وخُلقاً برسول الله (ص) ، فهو رمز الرسول الله الذي هو بدوره رمز للاخلاق الفاضلة.

    ومع ذلك فقد اذن لابنه بالمبارزة، وقدمه في طليعة اهل بيته وانصاره ، وهذا يعني ان الامام الحسين (ع) وهب كل ما يملك في سبيل ثورته، فقد ضحى بأبنه الطفل البالغ من العمر ستة اشهر، هذا الطفل الذي كان يمثل بالنسبة للحسين (ع) املاً كبيراً، لان الطفل امتداد للانسان ، حب الانسان لطفله أنما هو لابراز شخصيته في المستقبل، وتنشئته نشأة صالحة، وهذا هو الحب الذي ينبعث ويشتد كلما شعر الانسان بالخطر.

    والامام الحسين (ع) لم يشعر بالخطر فحسب وانما كان يعلم علم اليقين انه سيموت ، ومع ذلك فقد أتى بابنه معه ، وهو يعلم طبيعة نوايا القوم ، وماذا سيفعلون به ، ولكنه رغم ذلك ذهب ليطلب له شربة من الماء، فاذا به يذبح وهو في احضان والده.

    التضحيات المعنوية:

    وفي الجانب المعنوي قدم (ع) كل شيء ايضاً ، فبقدر ما كانت كربلاء أليمة ومفجعة على الصعيد المادي كانت كذلك على الصعيد المعنوي، فلقد وجهت الى الامام الحسين (ع) اتهامات كبيرة نجد اثرها الى يومنا هذا ، شريح القاضي - وما أكثر امثاله في واقعنا المعاصر - افتى بوجوب قتل الحسين (ع)، الى درجة ان الامام الصادق (ع) قال عنه (ع) :« از دلف اليه ثلاثون الفأ كلهم يتقربون الى الله سبحانه وتعالى بسفك دمةي».

    هكذا فعلت الدعايات المظللة بأدمغة الناس، فبعد ان قتل الامام الحسين (ع)، وسبي اهل بيته، كان الناس يعتقدون أنهم سبايا الترك أو الديلم، وهذا هو سر عظمته (ع)، اذ انه قدم نفسه واهل بيته مختاراً فداءً لدين الله، فربما يختار الانسان الثورة لنفسه لكنه قد لا يكون مستعداً للتضحية بأهله واقاربه، فيرضى لنفسه الشهادة، ولا يرضاها للأقرباء والاولاد خوفاً عليهم وهناك الكثير من الناس من يحجم عن العمل الثوري، والجهاد في سبيل الله لخوفه من التضحية اساساً .

    ان من الخطأ ان يخشى الانسان على الاناس المرتبطين به من اقتحام الثورة، لأن الواجب ان يثور و يسمح لغيره بالثورة، فاذا ثار المجاهد - مثلاً - واعتقلت السلطة الطاغوتية زوجته وأولاده ووالديه، فليعلم علم اليقين انهم قد دخلوا ساحة النضال من أوسع ابوابها ، أما هو فله الثواب الجزيل ان أدخل الآخرين ساحة الجهاد لكونها ساحة مباركة على الجميع ان يدخلوها . وهكذا اتى الامام الحسين (ع) بكل اهل بيته الى كربلاء وهو يعلم ماذا سيجري عليهم، فقد قال (ع) عندما سأله ابن عباس عن سبب خروج النسوة معه : « لقد شاء الله ان يراهن سبايا » ، ومع ذلك فقد ذهب بهن لعلمه ان هذا درس عظيم من دروس الثورة الاسلامية .

    📚 إن الحسين مصباح هدى وسفينة نجاة.

    سماحة آية الله العظمى المرجع المجدد السيد محمد تقي المدرسي دام ظله